رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


تسعير منتجات الطاقة يفاقم معضلة تلوث الهواء

إن انخفاض جودة الهواء أو تلوثه من أهم المخاطر التي تؤثر في البيئة وصحة وحياة الإنسان. ويتسبب تلوث الهواء بشكل رئيس في ارتفاع معدلات الإصابة بالعديد من الأمراض والتي من أبرزها الأمراض التنفسية وخصوصاً لدى الأطفال وأمراض القلب والسرطان وتشوه الأجنة. كما يؤدي تلوث الهواء بشكل عام إلى أضرار بالغة على الحياة الحيوانية والنباتية. ومن الملاحظ في السنوات الأخيرة ارتفاع مستويات الأمراض المرتبطة بالتلوث وخصوصاً التنفسية في مدن المملكة الكبيرة، وهذا راجع بشكل رئيس لارتفاع مستويات تلوث الهواء. وللتصدي للآثار السيئة التي بدأت تتكاثر لتلوث الهواء، فإن من الضروري البدء في أسرع وقت في تبني سياسات وإجراءات تحسين جودته والحد من تدهور نوعيته. ولا يخفى على أحد المنافع الكبيرة التي ستتحقق من تحسين جودة الهواء والمحافظة على مستويات متدنية من تلوثه، وأهمها حماية الحياة البشرية والحيوانية والنباتية، وتحسين البيئة الصحية، ورفع إنتاجية السكان، وكذلك جذب السائحين والمستثمرين واليد العاملة الماهرة. إن مكافحة التلوث بصورة عامة والهواء بشكل خاص ليس ترفاً يمكن الاستغناء عنه وإنما هو ضرورة حياتية ومعظم لرفاهية السكان وخصوصاً الفقراء، إضافة إلى أنه مجدٍ اقتصادياً على الأمد الطويل. وتؤثر مستويات التلوث بشكل أكبر في الشرائح السكانية الفقيرة والأقل دخلاً، حيث يقطنون عادة في المناطق الأكثر ازدحاما، والأقل في نسبة المساحات الخضراء، والتي ترتفع فيها مستويات التلوث. ولا يتمتع منخفضو الدخل بتأثير محسوس على قرارات تخطيط المدن ولهذا تتركز الأنشطة الملوثة للهواء قرب الأحياء والمناطق السكانية التي يتركزون فيها. وتشير تجارب الدول إلى أن مكافحة التلوث تحسن الظروف البيئية في المناطق التي يتركز فيها الفقراء.
وساهم العديد من السياسات والممارسات في خفض جودة الهواء في المملكة ورفع مستويات تلوثه خلال الأعوام الماضية. ومن أبرز هذه السياسات تدني أسعار منتجات الطاقة والتي شجعت على إهدارها وتسارع معدلات استهلاكها، مما تسبب في زيادة انبعاثات الغازات الملوثة للهواء بمعدلات كبيرة. ومن المتوقع أن يستمر ارتفاع معدلات نمو استهلاك المملكة من منتجات النفط في السنوات المقبلة مما سيفاقم من الآثار السيئة للتلوث ويخفض جودة الهواء وخصوصاً في المدن الكبيرة. وما لم يتم تعديل أسعار منتجات الطاقة فستتسارع انبعاثات الغازات الملوثة للهواء مع مرور الزمن، وستتردى نتيجةً لذلك نوعيته وقد تنخفض إلى مستويات متدنية وتقترب من المستويات الحرجة على البيئة والحياة البشرية. إن مستويات دعم منتجات الطاقة والتي تصل في بعض المنتجات كالبنزين والديزل إلى 90 في المائة من أسعارها العالمية الحالية، قد ساهمت بدرجة كبيرة في رفع حجم استهلاك الطاقة ومعدلات إهدارها مما فاقم من معضلات تلوث الهواء. صحيح أن هناك تحويلات للدخل تتم من خلال خفض أسعار منتجات الطاقة ولكن استفادة أصحاب الدخول المرتفعة أكبر بكثير من استفادة محدودي الدخل، كما يقطن مرتفعو الدخل في المناطق الأقل تلوثاً وازدحاما وهم الأكثر قدرةً على تغيير أماكن إقامتهم، ولهذا فإن تأثرهم بالآثار السلبية للتلوث أقل بكثير من تأثر الفقراء.
إن من الصعب رفع أسعار منتجات الطاقة إلى المستويات العالمية المرتفعة (والتي يستفيد منها اقتصاد المملكة) وخصوصاً في الوقت الحالي، لكن بقاء الأسعار المحلية بهذه المستويات المتدنية يعتبر غير منطقي في التعامل مع معضلة التلوث التي بدأت تزداد بقوة خلال السنوات الماضية وستتفاقم في المستقبل. وسيتم عاجلاً أو آجلاً تبني استراتيجية عامة للحد من التلوث البيئي، ومن المؤكد أنه سينظر عندها في تعديل أسعار منتجات الطاقة وقصر دعم أسعارها على الشرائح السكانية الأقل دخلاً، وذلك للحد من الأضرار البيئية المتعاظمة الناتجة من تسارع استهلاك الطاقة. وقد حدت مستويات أسعار منتجات النفط والغاز الطبيعي المتدنية بشكل كبير من تطوير واستخدام وسائل توليد الطاقة النظيفة والبديلة في المملكة، بل جعلت من استخدامها على نطاق تجاري من الأمور شبه المستحيلة، وبهذا ساهمت الأسعار المنخفضة مجدداً في رفع مستويات التلوث. وساهمت الأسعار المنخفضة أيضاً في حصر نوعية الطاقة المستخدمة في منتجات النفط والغاز الطبيعي، حيث رفع تدني أسعار منتجات النفط والغاز الطبيعي مستويات الاعتماد على هذين المصدرين مما قاد إلى سرعة معدلات استنفادهما. وهذان المصدران الطبيعيان هما اللذان يوفران بفضل الله الدخول الكبيرة التي مكنت المملكة من رفع مستويات معيشة سكانها. ولهذا فإن المحافظة على هذين المصدرين أمر مطلوب وضروري لحماية البيئة والحياة البشرية وتعظيم الرفاه الاجتماعي للأجيال الحالية والقادمة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي