نجاح موسم الحج.. ثمرة تطبيق مفاهيم الإدارة والقيادة

يعود الطيار المقاتل بعد كل طلعة ينفذها ليدخل مكتبا يتم فيه تنفيذ ما يسمى Debriefing وتعني الاستجواب. يقوم بالاستجواب المسؤولون عن الاستخبارات وجمع المعلومات عن العدو. يتم فيه سؤال الطيار عن مشاهداته والمتغيرات التي لاحظها. حركة ومواقع القوات من الأمور التي تفيد المخططين عند الإعداد لعمليات أخرى. هذا الإجراء يتم رغم وجود كاميرات على الطائرة تستطيع التقاط الصور، ووجود عناصر أخرى لجمع المعلومات مثل الأقمار الصناعية والطائرات من دون طيار وطائرات الاستطلاع. السبب هو أن العنصر البشري مهم جداً في تقديم معلومات الإحساس والتعرف على الجزئيات التي لا تهتم بتسجيلها الأجهزة الأخرى، إضافة لوجود فواصل زمنية بين النتائج التي تحصل عليها الجهات المخططة والوقت الفعلي للعمليات.
هذا الإجراء هو نتيجة الخبرة المتراكمة لسنوات طويلة من العمليات العسكرية. اكتشف المخططون أن مرور فترة بين إنهاء الطيار مهمته واستجوابه للتعرف على مشاهداته يؤدي في الواقع إلى نسيان الطيار للكثير من الملاحظات المهمة التي تساهم في نجاح العمليات في المستقبل، وتحمي الأرواح وتقلل التكاليف. هذا إضافة إلى أن الطيار لا يحمل معه وسائل لتوثيق ملاحظاته نظراً لانشغاله بأمور أخرى تتعلق بإنجاز مهمته الأساسية.
قفزت لذهني هذه الخاطرة وأنا أقرأ خبراً عن الاجتماع الذي عقدته اللجنة المركزية للحج بكامل أعضائها يوم السبت 16/12/1432هـ. هذا الاجتماع ناقش إنجازات حج هذا العام، ويعمل لرسم خريطة طريق لحج العام المقبل. جمعت الفرق الميدانية 5261 ملاحظة خلال موسم حج هذا العام تم حل 1979 ملاحظة في الموقع وتم إرسال 1355 إشعاراً إلى الجهات المختصة، بهذا تبقى 1979 ملاحظة على طاولة النقاش.
الاجتماع بهذه السرعة أسلوب إداري علمي ناجح. مناقشة القضايا فور إنجاز المهمة يحقق مزايا تشمل:
ـــــ غرس مفهوم العمل المنظم والمتابعة الفورية لدى جميع المشاركين في اللجنة. هذه المفاهيم تجعل الجميع حريصين على أداء مهامهم ومتابعة أعمال الجهات التي يمثلونها بحرفية ودقة. هذا الإجراء يساهم في نقل حماس المسؤول الأعلى لجميع الجهات المشاركة.
ـــــ إبقاء الجميع على اتصال مع المهمة السامية المطلوبة منهم طول العام؛ حيث إن التراخي ولو لفترة قصيرة يؤدي إلى الابتعاد عن جو المسؤولية وتقليل الشعور داخل القطاعات بأهميتها.
ـــــ حفز مفهوم إعداد وتنظيم العمل في كل الجهات المعنية. هذا يسهم في عدم إهمال جزئيات معينة، ويجعل الجميع حريصين على الإحاطة بكل مكونات المهمة المطلوبة منهم والواجبات الملقاة على جهاتهم.
ـــــ التمكين من جدولة المهام المطلوب تحقيقها للعام المقبل والأعوام التي تليه اعتمادا على التقارير الواردة والقدرات المتوافرة والمتوقعة للجهات المنفذة.
ـــــ إذكاء روح التنافس في خدمة هذه المهمة العظمى والتي تسخر لها الدولة كل إمكانياتها. الكل سينال حظه من الملاحظات وسيطلب منه برنامجاً زمنياً لتجاوز الأخطاء وتطوير الأداء، وهذا سيكون له أثر مهم على انطباع المسؤول عن الجهة وقناعته بكفاءتها.
ـــــ تمكين المسؤول من تقويم أداء الجهات العاملة معه والتعرف على نواحي القصور والنقص سواء في الكفاءات أو الإمكانيات أو المهارات القيادية.
ـــــ بناء خطط المستقبل على معلومات وإحصائيات وبيانات شفافة ودقيقة فيما يخص الإمكانيات المتاحة والمستقبلية. إضافة لدعم متطلبات الجهات ذات العلاقة لدى الجهات العليا خصوصاً وزارة الوالية والخدمة المدنية و العمل والوزارات التي ترتبط بها الجهات الممثلة في اللجنة.
ـــــ ضمان المصداقية والواقعية في وعود المسؤولين لكونهم ملزمين بتنفيذ ما يلتزمون به، وسيتم تقويم أدائهم بناءً عليه.
ـــــ تعزيز الإيجابيات والتعرف على نقاط التحسين ومكامن الخلل ومعالجتها.
ـــــ يمكن أن تساهم هذه الحركية والنشاط الإداري المتفرد في تطوير مفاهيم العمل بمبادئ التميز وتطبيق معايير الجودة العالمية على عمل بهذه الضخامة والأهمية.
عندما نعلم أن الدولة تنفذ أعمالها في خدمة الحجيج من خلال ما يقارب ربع مليون شخص. يتفرغون جميعاً لمدة تصل لأكثر من ثلاثة أشهر للكثير منهم، نكتشف حجم الاهتمام الذي تحظى به هذه المناسبة الدينية العظيمة. هذا يحفز الجميع ليكونوا أكثر حرصاً على إنجاز العمل بأعلى كفاءة.
النجاح الذي تحقق في موسم حج هذا العام لم يكن وليد الصدفة. إنما هو نتاج العمل الدؤوب والمتابعة الدقيقة والحرص الذي لا يعرف الكلل على أن يكون الموسم ناجحاً. النجاح كان استثنائياً بكل المقاييس. القدرة الإدارية المعروفة للأمير خالد الفيصل، رئيس لجنة الحج المركزية، تجلت في أجمل صورها بهذا النجاح الباهر.
نجاح الأمير خالد جاء نتيجة تطبيق نظريات إدارية وليس جزافياً. الإدارة العلمية أساسية في تحقيق النجاحات. حرص الأمير على الجودة الشاملة والمتابعة الدقيقة حقق هذه النجاحات. يتوج كل ذلك القدرة القيادية للأمير، فكل من يعرفه أو تعامل معه يدرك أنه أمام رجل قيادي من الدرجة الأولى. هذه القدرة القيادية تجلت في كل المواقع التي شغلها، لكنها برزت للجميع عندما أمسك الأمير بزمام إمارة منطقة مكة المكرمة سواء بإعادة تصميم المنطقة بالكامل أو في حربه الضروس ضد الفساد الذي نتجت عنه كارثة سيول جدة، أو في هذه المهمة السامية التي بدأت نظرياته فيها تؤتي ثمارها.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي