المساعدات المالية المنهوبة في سورية
''سنكون غير أخلاقيين لو سمحنا لهذا المصاص أن يحتفظ بالأموال التي سرقها''
ونستون تشرتشل رئيس وزراء بريطانيا الراحل
في منتصف تسعينيات القرن الماضي جمعتني جلسة خاصة في لندن، مع حاكم عربي راحل كان ساخطاً بصورة عبرت عن مكنونات الغيظ والغضب بداخله حيال حافظ الأسد (الأول والأخير). ومن فرط غضبه وامتعاضه، خرج (وربما لأول مرة في حياته)، عن تحفظه النادر في الهجوم على أي حاكم عربي، حتى ولو كان في جلسات خاصة ومحدودة جداً. كان يؤمن بأن انتقاداً بسيطاً لحاكم عربي ما، لن يولد سوى أزمة (وربما أزمات) في بيئة سياسية عربية، تعج بكل ''معاول'' ومحفزات صناعة الأزمات. وبتعبير شعبي ''نحنا مش ناقصين''.
أما لماذا كان هذا الحاكم ساخطاً وغاضباً وممتعضاً من الأسد الأب؟ فلأن هذا الأخير رفض وهاجم (بعد أن انتقد) خطة وضعها الحاكم العربي، لتحويل المساعدات المالية المباشرة التي كانت تقدمها بلاده لسورية، إلى مشاريع تنموية يشرف عليها مختصون من الدولة المانحة، وذلك بعد أن تأكد له ولدوائره المختصة على مدى سنوات، أن هذه المساعدات لا تنتهي في محطاتها الطبيعية، بل تستقر في خزائن الأسد وأسرته، ولا بأس من الأعوان الذين يقدمون الخدمات الأهم له، وهي تلك التي تحصن وتحمي سلطته غير الشرعية. وعلى الفور قرر هذا الحاكم العربي الغاضب، أن يحتج على الأسد الأب (الذي بهجومه على خطة المساعدات الجديدة، عزز المعلومات بأنها تُسرق)، بأن اختصر أيام زيارته الرسمية لسورية، بحجج دبلوماسية عرف الجميع أنها وهمية.
والحقيقة، أن الدولة العربية المانحة هذه، عممت في منتصف العقد التاسع من القرن الماضي، تحولها الجديد على غالبية البلدان التي تتلقى منها المساعدات، بغية أن تصل هذه المساعدات فعلاً إلى مستحقيها. إلا أنها وجدت صعوبات لا حدود لها مع حافظ الأسد ومن بعده ابنه بشار. فالأب (ومنذ مطلع سبعينيات القرن الماضي) تعاطى مع سورية، كمتصرفية عائلية خاصة، ''تصادف'' أن يكون فيها شعب، فمَلَك نفسه هذا الشعب، وتخلص في الوقت نفسه من غير المرغوب فيهم. وعندما مات الأب، وجد بشار الأسد (الوريث غير الشرعي لأي شيء في سورية)، نفسه مالكاً لجمهورية ومعها الشعب هدية. وعلى هذا الأساس، استهجن الأسد الأب واستشاط غضباً، أن تكون المساعدات المالية، عبارة عن مشاريع تنموية يشرف عليها مانحوها على المديين المتوسط والبعيد.
تتشابه المساعدات المالية التي تلقاها الأسد الأب والابن، بعوائد النفط السوري المنهوب على أيديهما، مع فارق وحيد، هو أن الشعب السوري كان يستفيد من نسبة ضئيلة جداً من المساعدات، لا أحد يستطيع أن يحددها، بينما لا ينتفع فرد سوري واحد من عوائد بلاده النفطية. وهذه النسبة، ليست سوى وسيلة تمويه للمساعدة على سرقة المساعدات. فعلى مدى أربعة عقود تلقت سورية مساعدات مالية عربية لوحدها تبلغ 30 مليار دولار أمريكي، أي ما يوازي 750 مليون دولار في العام الواحد، أو ما يساوي ثلاثة ملايين دولار يومياً، وذلك طبقاً للبنك الدولي، الذي أورد في تقرير له أن سورية ومصر انفردتا، بـ 47 في المائة من المساعدات العربية للدول العربية، التي بلغ مجموعها 136 مليار دولار. ورغم تردي أسعار النفط في الأسواق العالمية في فترة ثمانينيات القرن الماضي وتسعينياته، إلا أن وتيرة المساعدات العربية لسورية لم تتراجع كثيراً، على اعتبار أنها دولة مواجهة، رغم أنها لو تواجه أحداً منذ حرب 1973 إلا شعبها. ولأن الأسرار لا تبقى عادة في مخابئها، فقد أظهرت وثائق روسية، أن التعاون العسكري بين حافظ الأسد والاتحاد السوفياتي السابق، وفر للأسد أكثر من 12 مليار دولار أمريكي من قيمة المعدات العسكرية، وهو بذلك حصل على مساعدات للمجهود الحربي، من السوفييت والعرب، في حين لم تصل تكاليف تسلح الجيش السوري (الذي يقتل السوريين العزل حالياً) إلى أكثر من 15 وفي أفضل الأحوال إلى 18 مليار دولار، وفق التقديرات المحايدة! يضاف إلى ذلك، أن نسبة المساعدات الخارجية الكُلية لسورية بلغت في عقدي الثمانينيات والتسعينيات أكثر من 60 في المائة من الإيرادات!
في سورية تُعتبر المساعدات العربية تحديداً (كالنفط السوري) من أسرار أمن الأسد وأسرته، فقد فشلت كل الجهات الرقابية العربية والدولية، في تحديد الآثار التنموية لهذه المساعدات على الساحة السورية، وظلت التنمية ما دون الحد الأدنى، مقارنة بأي دولة تتشابه اقتصادياً مع سورية، فمعدلات الفقر ارتفعت ومعها البطالة، وانتقلت الشرائح المتعددة في المجتمع السوري من حالة دنيا إلى وضعية أدنى، بفعل اقتصاد مريع يستحق بجدارة توصيف ''اقتصاد الهلاك''، الذي مر بمراحله المريعة ''التفقير، والفقر وما دونه، والتشبيح''. ولا توجد مساعدات مالية، مهما علت قيمتها، يمكن أن تصمد أمام هذه الأنواع من الاقتصادات المبتكرة. فلا غرابة إذن.. ألا تظهر آثار 30 مليار دولار في سورية. المحاولات التي قامت بها الدول العربية المانحة، من أجل أن تصل أموالها إلى مستحقيها السوريين، ولتنمية اقتصاد متهالك ومشوه، اصطدمت بممانعة الأسد الأب والابن. فنجاح المحاولات العربية، يعني بالضرورة ''قطع الدم'' عن واحد من الأوردة المالية التي تعيش السلطة بها.