أزمة منطقة اليورو وأثرها في الوحدة النقدية الخليجية
إن المتابع للأسواق المالية العالمية وعناوين الصحف والأخبار في القنوات الفضائية يجد أن أزمة اليورو أصبحت اليوم حديث الأسواق، وتسببت في تقلبات للأسواق ارتفاعا وهبوطا، وجعلت الكثير من المتابعين يتحدثون عن أن أوروبا قد تكون وقعت في خطأ تاريخي عندما شكلت الوحدة النقدية الأوروبية، خصوصا بعض الدول مثل ألمانيا التي يرى الكثير أنها ورطت نفسها بسبب دخولها في الوحدة النقدية، ولكن السؤال: هل فعلا كانت الوحدة النقدية الأوروبية خيارا خاطئا، وهو الذي جر المنطقة إلى هذه الأزمة؟
بنظرة تاريخية إلى منطقة اليورو نجد أنه كما جاء في الموسوعة الحرة ويكبيديا: ''الاتحاد الأوروبي هو جمعية دولية للدول الأوروبية يضم 27 دولة، تأسس بناء على اتفاقية معروفة باسم معاهدة ماسترخت الموقعة عام 1992م، ولكن العديد من أفكاره موجودة منذ خمسينيات القرن الماضي. من أهم مبادئ الاتحاد الأوروبي نقل صلاحيات الدول القومية إلى المؤسسات الدولية الأوروبية. لكن تظل هذه المؤسسات محكومة بمقدار الصلاحيات الممنوحة من كل دولة على حدة، لذا لا يمكن اعتبار هذا الاتحاد اتحادا فيدراليا، حيث إنه يتفرد بنظام سياسي فريد من نوعه في العالم. للاتحاد الأوروبي نشاطات عديدة، أهمها كونه سوقا موحدا ذا عملة واحدة هي اليورو الذي تبنت استخدامه 17 دولة من أصل الـ 27 الأعضاء، كما له سياسة زراعية مشتركة وسياسة صيد بحري موحدة. احتفل في آذار (مارس) 2007 بمرور 50 عاما على إنشاء الاتحاد بتوقيع اتفاقية روما''.
الحقيقة أنه لم يكن الكثير يخفون إعجابهم بالوحدة الأوروبية بمختلف صورها، التي جعلت المواطن الأوروبي يتجول في قارة أوروبا دون أن يجد أي تعقيدات، بل إن البعض يشبهها بمدن كبيرة داخل دولة واحدة، بعملة واحدة، هذا مع تعدد مشارب وثقافات وأفكار ولغات تلك الدول، في مشهد نادر الوجود في تاريخ البشرية، وقد حقق ذلك مصالح متعددة لهذه الدول، حيث إنه بعد أن كانت عملات تلك الدول تأتي في المرتبة الرابعة أو الخامسة عالميا، أصبحت اليوم منافسا للدولار وفي المرتبة الثانية عالميا. أما بالنسبة لألمانيا التي يرى البعض أنها أكثر الخاسرين اقتصاديا، فإن الاتحاد الأوروبي جعل لها الباب مفتوحا للعب دور سياسي كبير خصوصا بعد الحرب العالمية الثانية التي قلصت كثيرا دورها السياسي عالميا، فلم تكن أفضل حالا من اليابان اليوم. ولا ننسى أن أوروبا في الأصل تعاني كثيرا بسبب أنها أصبحت توسم بما يسمى بالقارة العجوز، وقد يكون وضعها أسوأ في هذه الأزمة لو أنها بقيت دولا متفرقة، خصوصا مع ظهور دول منافسة لها في العالم مثل الصين والهند وكوريا والبرازيل ودول أخرى في العالم، ونحن نشاهد أن أول من سقط في هذه الأزمة هي دولة آيسلندا، وهي دولة أوروبية لم تدخل في منظومة الاتحاد الأوروبي. أما فيما يتعلق بالاتحاد النقدي الخليجي فإن الكثير يراهن على عدم نجاح هذا الاتحاد قبل البدء به، ويرى في أزمة منطقة اليورو القضاء على احتمال المضي قدما في البدء في إطلاق العملة الموحدة خشية الوقوع في أزمة مشابهة، وقد يكون هذا من الناحية الاقتصادية له وجهه. ولكن من المهم النظر إلى عناصر أخرى سواء كانت سياسية أو أمنية وحتى اقتصادية، التي تجعل من هذه المنطقة لها مصير قد نقول مشتركا في مواجهة تحديات متعلقة بالمنطقة، والاتحاد النقدي يعد إكمالا لهذه المنظومة المشتركة من دول الخليج، مع الاستفادة من الأخطاء في التجربة الأوروبية.
بالمناسبة جاء في ويكبيديا: ''في عام 2004 أنه تم الإعلان عن أن اليونان لم تكن مؤهلة أبداً في يوم من الأيام للدخول في النظام النقدي الأوروبي الموحد، وذلك لأن البيانات الاقتصادية التي أعطيت للجهات الأوروبية المسؤولة تم تزويرها وأعطيت عوضاً عنها معلومات خاطئة عن صحة أداء الاقتصاد اليوناني''.
فالخلاصة أنه عند المقارنة بين الوحدة النقدية الأوروبية والأزمة في منطقة اليورو والاتحاد النقدي الخليجي، لا بد من الأخذ في الاعتبار الجوانب الإيجابية للتجربة، ومعرفة هل الوحدة النقدية هي المسبب للأزمة أم أنها جعلت من حل هذه الأزمة مسؤولية مشتركة، ثم لا بد من الأخذ في الاعتبار الجوانب الإيجابية فيما يتعلق بالمصالح المشتركة سواء السياسية أو الأمنية للمنطقة، بل حتى الاقتصادية قبل التفكير في إجهاض التجربة قبل البدء فيها.