رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


متى يناقش مجلس الشورى إعادة هيكلة الإدارة العامة؟

الإدارة العامة هي مجموعة المؤسسات الحكومية المسؤولة عن تنفيذ السياسات العامة للدولة، ومستوى أدائها مرهونٌ إلى درجة كبيرة بمدى قدرتها على تحويل تلك السياسات إلى خدمات ومشاريع تلبي احتياجات المواطنين كماً ونوعاً وجودة. وهذا يعني شيئاً واحداً، في أن يقترب صانع القرار من المواطن ويتعرّف على تلك الاحتياجات ويلبيها. فالخدمات والمشاريع العامة ينبغي ألا يُنظر إليها من زاوية فنية إدارية بحتة وحسب، وإنما يلزم أيضا أخذ الجانب السياسي الاجتماعي بعين الاعتبار. فلا يكفي أن تكون هناك مواصفات فنية ومخصّصات مالية وخطط إدارية لتحقيق متطلبات المواطنين، ولكن من الضروري أن يتداخل المواطنون في عملية صُنع القرارات العامة ويفصحوا عن آرائهم وتوجهاتهم من خلال نوابهم بمجلس الشورى على المستوى الوطني أو مجالس المناطق على المستوى الإقليمي أو المجالس المحلية والبلدية على المستوى المحلي، لتحديد نوعية وحجم الخدمة المطلوبة ومَن يحصل عليها وتوزيعها المكاني. لم يعد مقبولاً أن يقوم البيروقراطيون بالتقرير نيابة عن المواطنين متذرعين بأن القرارات هي قرارات فنية تخصّصية لا يفقهها العموم! وبالتالي لا يحق لهم التدخل فيها. وهنا تبرز تساؤلات جوهرية عدة: كيف ينوب البيروقراطيون عن المواطنين في عملية صُنع القرارات التشريعية وهم من المُفترض أن يكونوا سلطة تنفيذية وليس تشريعية؟! وإذا كان البيروقراطيون قد استحوذوا على سلطة القرار بشقيه التشريعي والتنفيذي، فما دور المجالس النيابية كمجلس الشورى ومجالس المناطق والمحليات والبلديات في عملية صُنع القرارات العامة؟ أليس من الأولى ومن المُفترض أن تلعب المجالس دوراً فاعلاً ومؤثراً بتوجيه البيروقراطيات العامة ومراقبتها ومحاسبتها؟ لماذا لا تنصاع البيروقراطيات لقرارات المجالس النيابية؟ وكأنما لسان الحال قولوا ما تشاؤون ونفعل ما نشاء، أليس من الغريب أن تقوم البيروقراطيات العامة بالعمل دون مرجعية تشريعية نيابية؟! ويكتفى بمناقشتها بعد (وليس قبل) الشروع في تطبيق سياساتها، مع أنه من المُفترض أن يقوم المجلس النيابي بوصفه ممثلاً للشعب بصياغة التشريعات والسياسات التي تعكس احتياجاته وتطلعاته وطموحاته ومن ثم يطلب من البيروقراطيات وضع خطط وسياسات لتطبيقها لتناقش ومن ثم يصادق عليها لتكون بمنزلة عقد بين المجالس والأجهزة الحكومية.
لا شك أن هناك عملاً تنموياً دؤوباً ومتواصلاً ونيّات صادقة ومشاريع كبيرة وخدمات كثيرة، ولكن السؤال المهم: هل هذه جميعها تعكس متطلبات المجتمع؟! هل ستؤدي هذه المشاريع والخدمات إلى تحقيق أهداف وطنية استراتيجية؟! هل المشاريع والخدمات على مستوى المنطقة تمثل أولوية لسكانها؟! الحقيقة التي يجب الالتفات إليها، خاصة في ظل تزايد التحديات والمستجدات في الخارج والداخل أن هناك فرقاً بين الناتج الكمي والتأثير النهائي للسياسات والمشاريع الحكومية، فلا يكفي - على سبيل المثال - أن نذكر عدد المستشفيات وحجمها ولا عدد المدارس واستيعابها ولا أطوال الطرق واتساعها وحسب، وإنما مستوى الخدمة وجودتها وملاءمتها أولويات المنطقة. لذا لم يعد كافياً التركيز على المخصّصات المالية للمشاريع العامة وإنما يلزم ربطها بالمخرجات والنتائج الاقتصادية والاجتماعية. دون الربط بين المدخلات والمخرجات سنفوّت الفرصة في وضع ''الريال المناسب في المشروع المناسب''، فإدارة الموارد بكفاءة وفاعلية تستوجب الاقتراب إلى احتياجات المواطنين الفعلية، وهذا يقتضي بالضرورة التخفيف من مركزية القرار وتقاسم المسؤوليات والأدوار بين الأجهزة المركزية ومجالس المناطق والمجالس المحلية والبلدية، ومنح تلك المجالس المسؤوليات والصلاحيات اللازمة لتحقيق مصالح سكان المناطق والمحافظات وتمكينها من التصدّي للقضايا والتحديات التنموية ذات التأثير المحصور داخل نطاقها المكاني. كثيراً ما نسمع ترديد المثل ''أهل مكة أدرى بشعابها'' تعبيراً عن أن أهل المناطق والمدن أعرف باحتياجاتهم وأولى بإدارة شئونهم، وهي حقيقة أدركها الملك الوالد عبد العزيز، بحنكته السياسية وتفكيره الواقعي. لقد كان - يرحمه الله - ينتهج اللامركزية في إدارة البلاد، مانحاً المسؤولين المحليين الصلاحيات اللازمة للقيام بالأعمال الموكلة إليهم، مبدأه في ذلك ''يرى الحاضر ما لا يرى الغائب''. وهذا مبدأ مهم من ناحيتين: الأولى، يقرر أن المسؤول المحلي أكثر قرباً ودراية واهتماماً بالموضوعات المحلية. والأخرى، تتعلق بتضييق نطاق الإشراف وتحديد المسؤولية ومن ثم المتابعة والمحاسبة.
لقد حان الوقت لمراجعة نظام الإدارة العامة والبحث عن صيغ جديدة لصناعة القرار العام تتناسب مع متطلبات المرحلة وتستجيب للمستجدات الاقتصادية والاجتماعية والسكانية. لا يمكن ترك البيروقراطيين يتفردون بعملية صُنع القرار تشريعاً وتنفيذاً ودون ضغوط تُذكر عليهم من المجتمع، بل إنهم في حصانة كاملة من المحاسبة لا يُسألون عمّا يفعلون. هذا الوضع الإداري يقلل من كفاءة العمل الحكومي والقدرة على الاستجابة لاحتياجات المواطنين ويقلل من إسهامهم في عملية التنمية، ويخلق ثقافة الاتكالية واللامسؤولية لدى المواطن، وربما أدى إلى الفساد الإداري. إن مجلس الشورى كمجلس وطني نيابي يلزم أن يتصدّى للمواضيع الوطنية الحرجة والأكثر حساسية وتقع في لب جهود الدولة في الإصلاح والتطوير. لا نستطيع أن نقوم بعملية التطوير دون نظام إداري حكومي يعتمد مبدأ فصل السلطات وتوزيع الأدوار والصلاحيات بين الهيئات المركزية والمحلية والشفافية والمحاسبة النيابية. يجب الاعتراف أن الرقابة البيروقراطية بجميع أشكالها ومسمياتها عاجزة، إلى حد كبير، عن مواجهة الفساد الإداري والحد منه، فضلاً عن اجتثاثه. إن التوقعات من مجلس الشورى كبيرة جداً في أن يتبنى القضايا المصيرية ويطرحها للنقاش لأنه المكان الشرعي والمؤسسة الوحيدة المخولة بذلك، وألا تترك للمجالس الافتراضية والمنتديات الإلكترونية يخوض فيها الناس على غير علم. المطلوب في هذه المرحلة الحرجة مساهمة فاعلة من مجلس الشورى في بناء الهيكل الإداري الحكومي وصياغة أسلوب جديد لعملية صُنع القرارات والسياسات العامة يضمن الاستجابة لاحتياجات المجتمع بكفاءة وفاعلية، ويحقق مزيداً من العدل والمساواة، ويرفع مستوى الإنتاجية، ويعزز الولاء والهوية الوطنية. فهل يحقق مجلس الشورى هذا المطلب أم يبقى يدور في حلقة ضيقة يناقش موضوعات فنية، هي ليست محل اختلاف، ويقوم بعمليات تجميلية لنظام إداري لم يعد قادراً على مسايرة المستجدات؟!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي