تغيرات مهمة في سوق النفط ونحن في سبات
تاريخياً، أحد أسباب الفشل الذريع في قراءة مستقبل سوق النفط، هو سوء تقدير دور التقنية في استكشاف النفط واستخراجه. وفي كل مرة يخادعنا هذا العامل المؤثر ويسهم استراتيجياً في الحفاظ على سعر نفط ثابت على مدى أكثر من 100 عام قياساً على التضخم، فأسعار النفط اليوم قريبة جداً من المنحنى التاريخي للأسعار الحقيقية (الاسمية – ناقص نسبة التضخم). ولكن دنيا المعرفة الفنية وما تقوم به بعض الشركات والدول المؤثرة ومستوى النشاط الاقتصادي ترفض إلا أن تكون الحركة دائبة. لفت نظري تقرير صادر من مجلس البترول الوطني رُفع لوزير الطاقة الأمريكي في نهاية سبتمبر 2011، بأن إنتاج الولايات المتحدة في عام 2035 سوف يصل إلى 20 مليون برميل في اليوم، والآخر ذو العلاقة، حقيقة أن المملكة تستورد الديزل والبنزين، وأن هذه الواردات بلغت أعلى مستوى منذ 10 أشهر طبقاً لجريدة الوطن 01/10/2011، إضافة إلى ما ذكر رئيس شركة أرامكو أن استهلاك المملكة سوف يتخطى 8 ملايين برميل يومياً في عام 2028 منذ أكثر من عام.
سرعان ما غيّرت التقنية وضعية السوق بحسم، فلم يتنبه العالم إلى ثورة الغاز الحجري إلا وبدأت زوبعة إنتاج النفط الحجري أيضاً، ففي أقل من خمس سنوات ارتفع إنتاج ولاية نورث داكوتا الأمريكية من حوالي 10.000 برميل إلى 400.000 برميل باليوم. هذا التوجه الفني والاستكشافي في طريقه إلى الصين وبولندا ودول كثيرة. العامل المحرّك الاقتصادي في وسط معادلات العرض والطلب هو كفاءة استخدام الطاقة، والذي أيضاً في اتجاه ضد الطلب على النفط، إلا أننا نتحرّك في المملكة في الاتجاه المعاكس، فالمملكة من أكبر الدول إسرافاً في استخدام الطاقة قياسا على القدرات الإنتاجية (العلاقة بين وحدات الطاقة المستهلكة ووحدات الدخل القومي).
ما الحل؟
في نظري لا يمكن أن يكون الحل في البحث في الإنتاج (ثم البحث عن توازن التصدير مع الاستهلاك الداخلي) بسبب مركزية النفط في المعادلة الاقتصادية والمالية ودور ذلك في المعادلة المجتمعية الأهم. وفي الدول المتقدمة مسائل الطاقة اقتصادية وفنية ورقابية، بينما لدينا هي أكبر من ذلك نظراً لاعتمادنا على النفط في كل شيء مادي. لذلك فإن الحل الجذري ينبع من تغيُّر في الذهنية والرؤية الفكرية، فمن دون أرضية قابلة للتعامل مع التبعات المؤثرة في إعادة توزيع الدخل وتعديل النماذج الاقتصادية القائمة وتغيُّر المفهوم العام من استهلاكي إلى إنتاجي، فإن الحلول سوف تبقى جزئية وترقيعية ومؤقتة لمسألة تتداخل فيها الخيارات الوطنية التنموية مع متطلبات الحياة اليومية في جميع فروعها.
الوفرة المالية، والاستقرار القيادي، والبرهة القصيرة من الضغط الفني العلمي، تمكننا من إعادة النظر بغرض التعامل سريعاً قبل أن نصل إلى منعطف أكثر خطورة، فالمال يسهّل الحلول الاقتصادية، ولكنه ليس بديلاً.