هل نرى شركة مساهمة عامة لإدارة مشروعات الحج؟

يأتي ندائي هذا في يوم الوقوف بعرفات، اليوم الذي يباهي الله بجمع عرفات ملائكته المقربين ويسأل جل في علاه - كما جاء في الحديث القدسي - عن جمع عرفات، وهو أعلم بهم: ما أراد هؤلاء؟ أشهدكم أني قد غفرت لهم''. فهنيئا لهم تلك المباهاة العظيمة من الله الجبار، فهم الذين لبوا نداء الحق وصدقوا به، آمنوا بالله ربا وبمحمد نبينا ولم يروه، وآمنوا بالأنبياء جميعا حتى نداء إبراهيم الذي نادى بأمر ربه ولم يسمعوه. من بين أكثر من ستة مليارات إنسان هم تعداد الجمع البشري اليوم على الأرض لبى هؤلاء بضعة الملايين هذا النداء العظيم، فتركوا الدنيا لباقي البشر، ولأجله هجروا الفراش والمال والولد وجاءوا بمشاعر متزاحمة يبكون فرحين بالموقف يرجون رحمته ويخشون عذابه. ونرجو الله ولم نحضر الموقف أن يشملنا معهم بفضله وقد شاركناهم الفرحة ودعونا الله لهم بالقبول والرضا منه.
يأتي ندائي هذا في وقت قدمت فيه المملكة للحج الكثير من الأعمال الجليلة والمشاريع الجبارة، ليس بآخرها مشروع جسر الجمرات أو قطار المشاعر المقدسة الذي يعمل الآن بكامل طاقته. ومع كل الجهود الجبارة فإن مشاريع الحج أصحبت أضخم وأهم من أن تدار بفكر المحاسبة الحكومية ونظرية الأموال، بل أعتقد أن الأمر تخطى ذلك ونحتاج في هذه المرحلة إلى التفكير بطرق المحاسبة عن إدارة الأعمال. فوفقا لأقرب التصريحات، فإن تكلفة قطار المشاعر بلغت ستة مليارات ريال، وهو يخضع لإشراف وزارة الشؤون البلدية والقروية، كما أن إنشاء الأبراج السكنية في منى ستكلف المليارات وهي مملوكة لمؤسسة التأمينات الاجتماعية التابعة للدولة، والأمن تشرف عليه وزارة الداخلية، وتغذية الحجاج تحت إشراف وزارة التجارة، وسكن الحجاج ومخيماتهم وأوقاف الحرم تحت إشراف وزارة الحج، الفنادق بجوار الحرم تحت إشراف شركات مساهمة عامة مبنية على أوقاف تخضع لإشراف وزارة الحج. وتصريحات الحج وأعمال الطوافة بين أكثر من وزارة، ناهيك عن الصحة والمستشفيات، وهذه المؤسسات تعمل بطرق محاسبية مختلفة فمنهم من يحصل إيراداته وفقا لأساليب المحاسبة الحكومية وتودع جميعا في حسابات وزارة المالية ويراقب أعمال ديوان المراقة العامة منهم من يتعامل مع الأمر بطريقة المحاسبة عن قطاع الأعمال وشتان بينهما شتان.
في دراسة أعدتها غرفة وتجارة وصناعة المدينة المنورة عام 2007 أشارت إلى أن متوسط إيرادات قطاع العمرة يصل إلى 1.22 في المائة من الناتج المحلي، وأنه من المنتظر أن تقفز إيرادات العمرة إلى نحو 18 مليار ريال بعد عشر سنوات من ذلك العام، لكن ما حدث هذا العام 2011 كان قياسيا تماما في العمرة فقط، فقد أعلنت وزارة الحج السعودية أنه تم إصدار 4.6 مليون تأشيرة بزيادة تجاوزت 1.1 مليون تأشيرة عن عام 2010. هذا أدى إلى ارتفاع قياسي في إيرادات العمرة والحج ليقدرها البعض ما بين عشرة مليارات و12 مليار دولار سنويا (أي أكثر من 45 مليار ريال) وهو ما يفوق تقديرات الدراسات السابقة 150 في المائة، وهذه نسبة ارتفاع قياسية فعلا، فالأمر يتعاظم من عام إلى عام والطرق التقليدية في إدارة الحج واللجان الحكومية وتعدد الوزارات - أخشى أنها - لن تجدي نفعا في قادم الأيام.
فمثلا نحن نعرف تماما أن وزارة الحج ووزارة الشؤون البلدية والقروية وجميع مرافقهما وخدمتهما تعمل وفقا لمفاهيم المحاسبة عن الأموال والتي تقتضي أنه لا يتم استقطاع قيمة إهلاك الآلة (أو أي أصل آخر له عمر افتراضي) من إيراداتها مباشرة، وبل مجرد جداول متابعة حتى إذا هلك الأصل تأملنا خيرا في ميزانية الدولة لتعويضه. فإذا كانت تكلفة مشروع القطارات تبلغ ستة مليارات اليوم فكم ستبلغ قيمة استبداله بعد إنهاء عمره أو عمر أجزائه؟.. وهل ستتحمل ميزانية الدولة كل تلك المبالغ في ذلك الحين؟.. وعلى هذا فقس باقي مشروعات الحرمين الشريفين. بينما لو تمت المحاسبة بطريقة قطاع الأعمال فإنه لا بد من استقطاع قيمة الإهلاك السنوية من الإيرادات مباشرة ومن ثم استثمارها بطرق مختلفة حتى إذا فني العمر الافتراضي للأصل ومن ثم يمكن تجديده بتلك الأموال وتبقى أعمال المؤسسة قائمة، بل تتحسن بالتطورات التكنولوجية.
إن الحل في المتناول اليوم وهو إنشاء شركة مساهمة عامة للحج. ليس هذا معناه رفع شرف خدمة الحجيج عن الدولة، وليس معناه أن أمن الحجاج وخدمتهم لم يعد عملا سياديا، بل يمكن العمل مع كل هذه المفاهيم ولكن تحت مظلة مؤسسة أو مؤسسات عامة مملوكة بالكامل للدولة تعمل بطريقة قطاع الأعمال ويمكن تخصيص بعض أعمالها لاحقا. إن شركة الحج المأمولة هذه ستستغل الإنجازات الهائلة وستعمل وفق الأساليب اقتصاديات الحجم التي ستمكنها من خفض تكلفة الحج على الناس بشكل مؤثر، وهي التكلفة التي بلغت اليوم - للمتاجرين بها - أكثر من عشرة آلاف ريال في أربعة أيام فقط ولا نعلم - إذا بقى الحال - كم ستبلغ بعد عشرة أعوام؟.. هذا إذا استطعنا حل مشكلة المؤسسات الوهمية.... انتهت المساحة اليوم. وللحديث بقية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي