رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


مقترح.. كلية الأمير سلطان للدراسات الحكومية

لا يزال الحديث مستمرا عن فقيد الوطن الأمير سلطان بن عبد العزيز ـــ يرحمه الله ـــ كأحد أبرز قياداته الذين أسهموا مساهمة فاعلة وكبيرة في تطوير بنائه ورسم هويته وصياغة كينونته النظامية. فلم يكن مستغربا أن يكون أول المناصب التي تقلدها إمارة الرياض مقر الحكم والثقل السياسي للدولة، إذ ظهرت علامات النجابة والفطنة السياسية منذ مرحلة الشباب. وإمارة بحجم منطقة الرياض وبما تكتنفه من تلون اجتماعي وثقافي معقد تحتاج إلى قائد ذي بصيرة وحنكة وقدرة على التعامل مع جميع فئات المجتمع والتحدث بلغتهم وفهم احتياجاتهم. هذه التجربة في الإدارة المحلية أتاحت له الفرصة للتعرف عن كثب لهموم المواطنين وأن يعيش قضاياهم اليومية وهو ما أفاده كثيرا وظل يلازمه حتى عندما تولى مناصب قيادية مركزية على المستوى الوطني، فلقد حقق قفزات كبيرة كوزير للنقل ثم إنجازات في قطاع الزراعة عندما عين وزيرا لها، ليس كمشروعات وطنية ذات منافع اقتصادية وحسب ولكن مشاريع تستجيب لاحتياجات المواطنين، وهذا ربما يفسر فتح المستشفيات العسكرية أبوابها لاستقبال ذوي الاحتياجات المرضية من عموم المواطنين على الرغم أنها مخصصة لمنسوبي القطاعات العسكرية. وهذا أمر آخر يلزم الالتفات إليه وتوثيقه في سيرة الأمير سلطان الإدارية وهو أن المشاريع والسياسات التي يتبناها تكون بمستوى عال من التنفيذ والدقة وبمعايير مهنية وربما يرجع ذلك لثقافته العسكرية التي تعلم منها الانضباط والالتزام وتحقيق الإنجاز بكفاءة وفاعلية. لقد مضى الأمير سلطان يسجل في ذاكرة الأمة تجارب إدارية ناجحة أساسها نهجه وإيمانه العميق في أن يقترب صانع القرار من المواطن ويتحسس احتياجاته لتكون السلطة من أجل تسهيل حياة المواطن وتحقيق متطلباته وتطلعاته. لم يكن يوما أسير التنظيمات البيروقراطية بل يطوعها لخدمة الناس. ولذا يضرب أروع مثل في القيادة التحويلية ليسابق الزمن في أطروحاته ولا يرضى أبدا أن يكون أسير الأحداث والركون إلى منطقة الراحة والأمان وإنما يتقدم بجرأة الحكيم وشجاعة المحارب لسبر أغوار المستقبل وخوض التجارب بكل عزيمة وبمغامرة محسوبة والوصول إلى حيث لم يصل أحد قبله. هذه القوة في شخصيته ومبادراته الاستباقية وقراراته الشجاعة الحازمة تجعل كل منصب يتقازم عنده فيكفي أن تقول سلطان دون ألقاب ولا صفات ليعلم الناس أنك تتحدث عن ذلك الرجل السياسي المحنك الذي كان أسلوبه الإداري نموذجا حيا يعكس القيم السعودية المميزة والعادات العربية الأصيلة والمبادئ الإسلامية الراقية.
هذا النموذج الإداري المميز للأمير سلطان يجعل من الضروري الحفاظ عليه وإبرازه والعمل من أجل تحقيقه للارتقاء بالعمل الحكومي. إن كثيرا من دول العالم سارعت تترجم أعمال ونهج قياداتها البارزة إلى نماذج إدارية وإطار قيمي تنطلق منه في تطوير إداراتها الحكومية. فالنظرية تنشأ من الممارسة، بدراسة التجارب الإدارية الجديدة التي تولد الأفكار والاتجاهات ليتم وضع الفرضيات والتحقق منها كظاهرة تستحق الدراسة والتمحيص والتأكد من نتائجها وعموميتها. ولذلك هناك من طرق البحث النوعي الذي يرى أن فهم التجربة الإدارية لا يكون إلا من خلال معايشة المسؤولين واستيعاب أدائهم من خلال استشعار أحاسيسهم وكيفية تصرفاتهم حيال مختلف المواقف. وهذا دليل واضح أن بناء النظرية لا يتأتى إلا من خلال تجارب إدارية مميزة تحافظ على الهوية الوطنية وتتطلع إلى التطوير والتجديد في موازنة بين المعاصرة والأصالة. ولذا تقع المسؤولية على الأكاديميين في مجال الإدارة العامة في دراسة سيرة الأمير سلطان الإدارية واستخلاص نموذج إداري يسهم في التنمية الإدارية وتطوير الهيكل العام للنظام الإداري الحكومي، فالدراسات العالمية تشير إلى أن أفضل نظام هو ذلك الذي يكون من نبت التربة الوطنية ينسجم مع قيمها ويلبي احتياجاتها.
المسألة لا تتوقف عند استكشاف النموذج الإداري والعمل من أجل تطبيقه بل إن عملية التنمية الإدارية عملية مستمرة لا تتوقف عند محطة واحدة ولا تكتفي بالإنجاز عند مستوى واحد. إن نهج الأمير الراحل كان التطلع دوما إلى مستويات أعلى ويرفض مقولة ''ليس بالإمكان أكثر مما كان''. هذا الفكر النير والنهج المتميز هو ما تحتاج إليه الدولة السعودية وهي تسعى نحو مستويات أعلى من التقدم الاقتصادي والصناعي والاجتماعي ومساهمة أكبر في الحضارة الإنسانية. هذا يستلزم بالضرورة إنشاء كلية متخصصة بالدراسات الحكومية تكون مهمتها تطوير نموذج للإدارة العامة السعودية والعمل على تطبيقه ودراسة وتحليل إجراءات السياسات العامة والهيكل الإداري العام ورصد الأداء الحكومي في إطار نهج رجل الإصلاح الإداري الأول الأمير سلطان بن عبد العزيز. إن اقتراح إنشاء كلية باسم الأمير سلطان للدراسات الحكومية يحفظ الإرث الإداري الذي تركه الأمير سلطان ويبرز نهجه ويحفظ اسمه كأحد أبرز القيادات الإدارية من أجل أن تستنير بتجربته الأجيال القادمة ويعلموا أن أحد أبناء الوطن الأبرار كان متميزا بعطائه وخبرته الإدارية وأسلوبه القيادي. إن كثيرا من الدول بادرت بإنشاء كليات تحمل أسماء عظمائها من القياديين فهناك على سبيل المثال كلية كندي للدراسات الحكومية في جامعة هارفرد، وكلية لي كوان يو للسياسات العامة في جامعة سنغافورة، وغيرها كثير، وسلطان بن عبد العزيز ـــ يرحمه الله ـــ يستحق منا ذلك وأكثر.
المكان المناسب لإنشاء مثل هذه الكلية هو جامعة الملك سعود حيث إن الجامعة لديها مجموعة متميزة من أعضاء هيئة التدريس تخرجوا في أرقى الجامعات الأمريكية ولهم أبحاث ودراسات يشار إليها بالبنان وأكثرهم يعملون كمستشارين للعديد من الأجهزة الحكومية. وقسم الإدارة العامة يملك خبرة في الدراسات العليا، حيث يقدم برنامجين للماجستير والدكتوراه والإقبال على البرنامجين يفوق الوصف فعدد المتقدمين والمتقدمات لبرنامج الماجستير في الإدارة العامة لهذا العام وحده بلغ 1700 طالب وطالبة. وفي ظل قصور أداء الكثير من الأجهزة الحكومية سيكون من الأجدر إنشاء مثل هذه الكلية لتعزز قيم نظامنا وتوثق للتجربة الإدارية السعودية وتجسد المبادئ التي عمل من أجلها رائد الإصلاح الإداري الأمير سلطان ــــ يرحمه الله.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي