بدل السكن أداة لدعم الدخل
بعد طول انتظار، أجل مجلس الشورى مناقشة مشروع منح موظفي الدولة ثلاثة رواتب سنوية كبدل سكن. وترتفع آمال منسوبي الدولة وأسرهم بقرب إقرار مشروع بدل سكن للموظفين، ويتجاوز عدد منسوبي الدولة من مدنيين وعسكريين مليون شخص. وسيقود تبني صرف بدل السكن إلى رفع دخول جميع منسوبي الدولة بنحو 25 في المائة من مستواها الحالي. فهل تتحمل موارد الدولة هذا الصرف الإضافي؟ وهل هذا البدل عادل في توزيع الموارد بين جميع الموظفين من جهة وبين الموظفين وباقي المواطنين من جهةٍ أخرى؟ وهل سيكون أكثر جدوى من وجوه الصرف الأخرى؟ وهل سيساهم في حل مشكلة السكن؟
لقد عزز ارتفاع أسعار النفط في هذه السنة والسنوات القليلة الماضية موارد الدولة ورفعها بقوة. ووفرت القفزة الكبيرة في الإيرادات النفطية موارد مالية ضخمة تزيد بكثير عن خطط إنفاق الميزانية، وتمكن الدولة من منح بدل سكن لمنسوبيها إن اُتخذ القرار بصرفه. ويتطلب صرف بدل السكن إضافة نحو 60 مليار ريال إلى إجمالي الإنفاق هذا العام، وسيزداد هذا المبلغ مع مرور الوقت. وتتوافر موارد مالية في الوقت الحالي، ولكن لا توجد ضمانات باستمرار زيادة الإيرادات النفطية أو ثباتها مستقبلاً، ولهذا قد يؤدي منح هذا البدل إلى الضغط على الميزان المالي مستقبلاً، ورفع العجوزات الحكومية. وسيزيد تبني بدل السكن من المصروفات الجارية للدولة، ويقلل من المخصصات الرأسمالية التي تعد ذات جدوى اقتصادية أفضل. وتحتاج عملية التنمية المستدامة إلى الإنفاق الرأسمالي بدرجة أكبر، ولهذا تعطي دول العالم أولوية قصوى للإنفاق الرأسمالي على مشاريع البنية الأساسية وتطوير الموارد البشرية. من جهة أخرى، يمكن إنفاق مخصصات بدل السكن لتوظيف المزيد من المواطنين أو استخدامها في دعم القطاعات الخدمية مثل القطاعات الصحية والتعليمية، ما سيساهم في خفض البطالة وتحسين نوعية هذه الخدمات.
وفي حالة تخصيص ثلاثة رواتب كبدل للسكن سيتلقى كبار الموظفين نحو 86 ألف ريال في السنة، بينما سيتلقى صغارهم نحو 9700 ريال في السنة، ونتيجةً لذلك سيكون منح بدل السكن بهذه الطريقة متحيزاً وغير عادل بالنسبة لصغار الموظفين. ويعاني صغار الموظفين بدرجة أكبر من معضلة السكن، وهم الأكثر حاجةً للدعم من كبار الموظفين، وذلك لعجز نسبة كبيرة منهم عن تملك سكن أو حتى دفع الإيجار. ولهذا ينبغي عند تبني منح بدل سكن لمنسوبي الدولة تعديل مشروع القرار ليكون أكثر إنصافًا لصغار الموظفين، حيث يمكن منح بدل نقدي ثابت كعشرين أو ثلاثين ألف ريال في السنة لجميع موظفي الدولة، أو على الأقل تحديد حد أدنى وآخر أعلى. من جهة أخرى، يستثني منح بدل السكن لمنسوبي الدولة باقي الفئات السكانية الأكثر احتياجًا، وتأتي في مقدمتهم العائلات الفقيرة المعتمدة على مخصصات الضمان الاجتماعي، ثم الكثير من المتقاعدين وأسر العاطلين عن العمل. إن اقتصار بدل السكن على موظفي الدولة لن يكون عادلاً في دعم دخول الفئات السكانية الأقل قدرة على تحمل تكاليف السكن.
وسيستفيد من بدل السكن شريحة منسوبي الدولة وسيرتفع مستواهم المعيشي، وهذا سيقود إلى رفع الطلب الكلي على السلع والخدمات، ما سيولد ضغوطًا على الأسعار. وستعاني باقي الشرائح السكانية الآثار الجانبية لارتفاع الأسعار، بينما سيستفيد الموظفون وحدهم من ارتفاع الدخول. وسيجذب إقرار بدل السكن المزيد من المواطنين للعمل في الدولة، مما سيرفع الطلب على الوظائف الحكومية، كما سيقلل من اتجاه العمالة الوطنية للعمل في القطاع الخاص. وليس من المرجح أن يساهم منح بدل السكن في حل معضلة السكن، حيث إنه سياسة تستهدف دعم دخول شريحة من السكان. وسيساعد منح البدل منسوبي الدولة المستأجرين على دفع إيجاراتهم ورفع استهلاكهم من السلع والخدمات الأخرى، أما غير المستأجرين فسيرتفع استهلاكهم من السلع والخدمات، وقد ترتفع مستويات ادخارهم. وبهذا سيرتفع الطلب الكلي على السلع والخدمات، ويولد ضغوطًا على الأسعار. إن حل معضلة السكن يتطلب استخدام السياسات التي تستهدف هذا القطاع بشكل مباشر، وتخصيص أكبر موارد ممكنة للتعامل معه، ولهذا فإن توجيه المخصصات المالية التي كانت ستصرف على بدل السكن إلى تملك وإنشاء مساكن سيكون أكثر جدوى في التعامل مع معضلة السكن. أما إذا كانت هناك نية لرفع دخول الموظفين فإن تخصيص بدل سكن يعد إحدى وسائل القيام بذلك.