تفسير الأحداث الاقتصادية ومنهجية التوقعات
عندما يحاول كاتب في مقال تفسير أحداث اقتصادية، أو توقع ما تؤول إليه الأمور (مثلا أسعار العقار أو النفط أو الوضع الاقتصادي خلال فترة كذا)، يلحظ أن كثيرا من القراء يطلبون تفاصيل وينسون أنه مقال وليس كتابا. وهناك من يحملون ما كتب على أنه مُعبّر عن رغبة من الكاتب لحصول ما يهواه. آخرون.
النقد السابق فيه خلط وسوء ظن. كان عليهم مناقشة جوهر الموضوع بدلا من النوايا. وحقيقة لا تجد مثل هذا عادة لدى المعلقين على الكتابات في الصحف الغربية، بل تجد مناقشة للأفكار وليس النوايا.
بعض الناس يخلطون بين الأماني ومحاولة تفسير الوضع كما هو أو كما يتوقع أن يكون. والأماني أعني كيف نحب هذا الوضع سواء ما مضى منه أو ما سيأتي. هم يرون الأول والثاني سواء، وهذا خطأ جسيم سواء من ناحية منهجية أو من ناحية اتهام دون إثبات.
مثلا، عندما صدرت الأوامر الملكية قبل شهور بتحسين معيشة مواطنين وزيادة رأس مال صندوق التنمية العقارية وزيادة سقف القرض، رأى كثيرون أنها ستتسبب في مزيد ارتفاع لأسعار العقارات والإيجارات. هذه التوقعات تعكس قراءة وفهما لتأثير القرارات على الأسعار، طبعا بافتراض عدم تغير جوهري في الأوضاع والسياسات الأخرى كما هي. ينبغي ألا يفهم هذا التوقع على أنه رغبة أو عدم رغبة في ارتفاع الأسعار.
لكن فئة من الناس تحمل تلك التوقعات على أنها دعوة وأمنية ممن صدرت منه التوقعات أن تتطور الأمور كذلك. أي أنها تعكس تمنيات تلك الفئة بارتفاع الأسعار. هذا من سوء الظن.
مثال آخر. نشرت ''الاقتصادية'' في عدد الجمعة 21 تشرين الأول (أكتوبر) نقلا عن شيخ صيارفة مكة المكرمة توقعه بأن ينخفض إنفاق الحجاج 20 في المائة جراء تأثير الثورات العربية أو ما عرف بالربيع العربي. توقعه لا يعني رغبته في أن ينخفض الإنفاق، ولكنه فهم الوضع كذلك.
في منهجية البحث الاقتصادي مسلكان: المسلك التقريري والمسلك المعياري.
المسلك التقريري أو الإيجابي أو الحيادي يقوم على أساس تفسير أو تحليل ما هو كائن وكيف كان. هذا التحليل أو التفسير يستند إلى أصول مسلّم بها (كحب الإنسان للمال) ويستند إلى النظرية الاقتصادية وتفاصيلها ويستند إلى منهجية علمية اقتصادية في قراءة البيانات بغض النظر عن الرأي الشخصي فيها.
وتفسير ما هو كائن يساعد على فهم ما يرى أو ما يتوقع أنه سيكون، بغض النظر عن الرغبة فيه أو منه. أي أن ناقل الكفر ليس بكافر. وهي (لمن لا يعلم) عبارة مشهورة في كتب العقائد.
والمسلك الثاني المعياري أو الحديث عما ينبغي أنه كان وما ينبغي أن يكون. وهذا شأن عام يشترك فيه كل فئات المجتمع، حيث يحق لهم أن يبدوا رأيهم فيما ينبغي أن يكون.
وليس من الضروري أن يوصل المسلك التقريري إلى تفسيرات صائبة، فقد يخطئ الإنسان في مسلكه التقريري، ويعطي تفسيرات يتبين فيما بعد أنها خاطئة. الإنسان ليس معصوما عن الخطأ. ومن الغلط أن نقول إنها مُعبّرة عن الوضع المرغوب به أو توصية بسياسات اقتصادية بعينها.
من أمثلة المسلك التقريري ما ذكر سابقا عن شيخ صيارفة مكة، وكقولنا ارتفعت الأسعار أو سترتفع إذا حدث كذا وكذا. ولذا هو في اللغة العربية من قبيل الخبر. أما المسلك المعياري فكقولنا ''نوصي الحكومة أن تفعل كذا''، وقولنا ''لعل السماء تمطر''. ولذا هو في اللغة العربية من قبيل الإنشاء.
من أمثلة العبارات الاقتصادية التقريرية:
- الإنسان مجبول على حب المال.
- الإنسان أناني بطبيعته، يقدم مصالحه على مصالح غيره.
- في ظروف زمانية ومكانية محددة، يرتفع الطلب عند انخفاض الأسعار.
- اشتد البرد وأتلف أكثر الخضراوات المزروعة، ومن ثم يتوقع نقص العرض وغلاء السعر.
- رفع الأجور يزيد الاستهلاك.
- فرض رسوم لوقوف السيارات يقلل من ساعات وقوف السيارات.
- هناك علاقة عكسية بين المحسوبية والعدالة في التوظيف المتاح قانونا للجميع.
- ارتفاع الاستهلاك بأكثر من ارتفاع الدخل الشخصي الثابت وبصورة كبيرة، سواء من جهة الرقم المطلق أو من جهة المعدل يعني أن هناك مصادر أخرى مهمة وقوية للدخل الشخصي غير الثابت، بغض النظر عن كيفية ومدى عدالة توزيع هذه المصادر بين فئات المجتمع. ويعني أن تجاهل هذا الموضوع في تفسير التضخم يعني أن التفسيرات المعطاة عليها مآخذ قوية.
باختصار، تفسير الوقائع الاقتصادية وتوقع ما تؤول إليه الأمور لا يعني بأي حال من الأحوال رغبة في أن تكون الأمور كذلك، وبالله التوفيق.