نهج الأمير سلطان.. وترجمته إلى عمل مؤسسي
فقدت الأمة السعودية بوفاة الأمير سلطان بن عبد العزيز ـــ رحمه الله ـــ أحد أبرز قياداتها السياسية التي أسهمت في تشكيل الدولة وبنائها ونهضتها. والحديث هنا لا يقتصر على الأعمال الرسمية والمشروعات الخيرية، على الرغم من أهميتها، بل يتعداه لما هو في ظني أكبر من ذلك بكثير، وهو ما تمتع به من سمات القيادة والحضور الجذاب وقوة الشخصية وتجسيد قيم وتقاليد المجتمع بشخصه ودافعيته وهمته نحو تحقيق الأفضل وتوليد الأفكار والتواصل مع الناس وحكمة الرأي والعزيمة في صنع القرار وإنفاذه. هذه السمات هي ما تنفخ الروح بالعمل السياسي وتعزز الاجتماع، وهي جوهر الحكم ليتحول القائد إلى رمز يمثل قيم وتطلعات الناس، يجتذبهم إليه ويلتفون حوله؛ لأن باستطاعته سياستهم واحتواءهم وإدارة اختلافهم والتوفيق فيما بينهم. والأمير سلطان ـــ يرحمه الله ـــ كان بفطرته يملك شخصية جذابة وفطنة سياسية وذكاء اجتماعيًا ونظرة واسعة لقضايا الوطن وثقافة عميقة ومتنوعة. هذه الملكات الفطرية صقلت بمدرسة مؤسس هذه البلاد الملك الوالد عبد العزيز ـــ يرحمه الله ـــ وهي مدرسة متميزة في الحكم، تقوم على القوة بالحق والقرارات العملية الواقعية والموازنة بين الأمور والوقوف على مسافة واحدة من جميع المواطنين. لقد كانت الدولة وهي في طور البناء وفي مراحلها الأولى في حاجة ماسة إلى شخصيات مميزة من أمثال الفقيد الأمير سلطان، قادرة على الإسهام في قيادة حركة التطوير، في ظل غياب عمل مؤسسي واضح المعالم لدولة حديثة التأسيس؛ ليكون الاعتماد على الحس السياسي والرؤية الشخصية المتصفة بالحكمة والاتزان لصناع الدولة. لقد استطاع أبناء الملك عبد العزيز من جيل التأسيس، الجيل الذهبي، ومن بينهم وأبرزهم الأمير سلطان، أن يتجاوزوا بالدولة الفتية المحن والمصاعب، وأن يتصدوا للتحديات بقدراتهم القيادية الذاتية، وأن يتحملوا مسؤولية صناعة التنمية الوطنية بمفردهم، والقيام بأعباء الدولة بقرارات جريئة وحاسمة، هدفهم انتشال المجتمع من حال الفرقة والخوف والجهل والمرض والفقر. إن جيل الأمير سلطان وإخوانه وبما حباهم الله من قدرات شخصية وتربية سياسية وتجربة ثرية في الحكم استطاعوا أن يحافظوا على وحدة الصف، وأن يسموا فوق الخلافات الشخصية، وأن يضعوا دومًا مصلحة البلاد فوق كل اعتبار. لقد كان الأمير سلطان ـــ يرحمه الله ـــ أحد أعمدة الحكم بمدرسته التقليدية المبنية على المبادرات الشخصية والنظرة الأبوية الحانية للناس، والاجتهاد فيما ينفعهم، والعلاقة المباشرة غير الرسمية تطبيقًا لسياسة الباب المفتوح دون تعقيدات إدارية وإجراءات مطولة؛ ليكون النقاش شخصيًا عفويًا يقود نحو قرار يستجيب لحاجات الأفراد في اللحظة ذاتها.
إن فقدان شخصية بقامة وحجم الأمير سلطان ـــ يرحمه الله ـــ يُحدِث بلا شك فراغًا كبيرًا قد يصعب ملؤه. فالأمير سلطان كان مؤسسة بذاته ومرجعية وذاكرة الوطن، ولا يمكن تعويض غيابه إلا بتطوير العمل المؤسسي، فما كان يستطيعه بشخصه ـــ يرحمه الله ـــ يتطلب تضافر جهود الكثيرين من خلال سياسات وإجراءات ونظم إدارية لاستيعاب مطالب الناس وتحقيق طموحاتهم. كما أن وقع المتغيرات المتسارع أدى إلى تغيير بيئة صناعة القرار العام، وأصبح هناك حجم هائل من المعلومات المتدفقة والمستجدات التقنية والاقتصادية والسياسية، ما يعني الكثير من التحديات وزيادة درجة تعقيد القضايا والمسائل المطروحة على أجندة العمل الحكومي. إن الظروف التي تعيشها المنطقة والتحول السكاني والحضاري الكبير الذي يشهده المجتمع يتطلب تطويرًا جوهريًا في نظام الإدارة الحكومية، وربما هذا ما كان الأمير سلطان يؤمن به، ويحاول عمله من خلال ترؤسه اللجنة الوزارية للإصلاح الإداري، وسعيه الحثيث لتطوير العمل الإداري الحكومي المؤسسي، ليس تطويرًا فنيًا في داخل الجهاز الحكومي وحسب، ولكن بإعادة هيكلة نظام الإدارة العامة، والتفكير خارج التنظيم البيروقراطي ليكون القرار العام أكثر استجابة لاحتياجات المواطنين بكفاءة وفاعلية. نهجه الإصلاحي وفكره الإداري المستنير يؤكد أن له إسهامًا مقدرًا في إنشاء مجلس الشورى وإصدار نظام المناطق ونظام المجالس المحلية والبلدية بحكم درايته العميقة بالتنمية الإدارية ولإدراكه أن العمل المؤسسي يعزز اللحمة الفطرية بين الحاكم والمحكوم ويوثقها ويقدمها في قالب جديد يتناسب مع العصر ويستوعب المتغيرات السكانية والاقتصادية والسياسية.
لقد التقيت الأمير سلطان مرة واحدة، وكانت كافية لتكشف لي عن جانبه الإنساني والقيادي، كان ذلك في حفل الاحتفاء بعودته من رحلته العلاجية التي تصادفت مع مرور عشر سنوات على إنشاء جامعة الأمير سلطان الأهلية. فعند انتهاء الحفل هب الجميع يسلم على سموه، فرأيته وهو لا يزال يعاني المرض والبسمة لا تفارق محياه، على الرغم من التدافع والتزاحم يحتفي بكل فرد ويسلم عليه بحرارة يذيب معها جميع الفوارق ويزيل الحجب لتشعر بدفء المشاعر وليظن كل شخص أنه هو الوحيد الذي يهتم بشأنه وأنه محل تقدير. تلك اللحظة اختزلت نهجه القيادي وذكاءه الاجتماعي، والسر وراء تألقه وتميزه هو أنه يرى الناس كأشخاص يقترب منهم ويحس مشاعرهم، ويحترم ذواتهم، ويبذل من أجلهم، وأنهم ليسوا مجرد أعداد على الرغم من كثرتهم. هذا يفسر كفاءة قراراته، وأنها تصب دائمًا فيما ينفع الناس، لكن في ظل غيابه أصبح من الضروري ترجمة نهجه إلى عمل مؤسسي يقترب فيه صانع القرار العام من الناس ويلبي احتياجاتهم. الأمر يتطلب إعادة تفكير في نظام الإدارة الحكومية ومنح المجالس النيابية صلاحيات وأدوارًا أكبر تمكنها من توجيه ومراقبة ومحاسبة الأجهزة الحكومية لضمان الاستجابة لاحتياجات عموم المواطنين؛ ولتكون معطاءة مثلما كان سلطان الخير.