كيف نحل المشكلة الإسكانية في المملكة؟
الملكية الخاصة حق أساسي من الحقوق التي ترعاها النظم القانونية في دول العالم كافة، وتفرض العقوبات المناسبة للمتعدين عليها، باعتبار أن الملكية الخاصة أحد الحوافز الأساسية التي تشجع على الاستثمار وتنمية الأصول الإنتاجية في المجتمع. الملكية الخاصة التي نتحدث عنها هنا هي الملكية التي تنفع الناس، إذ يفترض ألا يترتب على الملكية الخاصة آثار ضارة على المستوى المجتمعي، فإذا ما ترتب على الملكية الخاصة أضرار تعود على المجتمع فإن تنظيم هذه الملكية أو تقنينها يصبح ضرورة من أجل حماية المجتمع من الأضرار التي يمكن أن تترتب عليها.
مع الأسف الشديد، الملكية الخاصة التي نتحدث عنها هنا هي ملكية يترتب على صيانتها وحمايتها، من دون أي تقنين لها، أضرار تلحق بعموم الناس لمصلحة مجموعة محدودة من ملاك الأراضي، الذين يتملكون الأرض ليس بهدف إحيائها، إنما بهدف حبسها أو احتكارها ومن ثم المضاربة فيها وتحقيق أرباح ريعية منها. مثل هذه الملكية تعد ضارة بالمجتمع على الرغم من أنها تحقق منفعة مادية لبعض أعضائه، ومن المعلوم أن حبس الشيء عن التداول بقصد احتكاره أمر محرم شرعا. إذ يروى عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه قال ''لا يحتكر إلا خاطئ'' (رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه) لما في ذلك من أضرار تلحق الناس.
تنبغي الإشارة إلى أن الاحتكار في الاقتصاد يعتبر أمرا مطلوبا فقط في الصناعات التي يترتب على الاحتكار فيها تقديم السلعة أو الخدمة بتكلفة أقل، أي ما يدخل في نطاق ما يسمى الاحتكارات الطبيعية Natural Monopolies، ويقصد بتلك الاحتكارات المجالات التي يترتب على وجود أكثر من منتج للسلعة ارتفاع التكلفة المتوسطة للوحدة المنتجة منها، مثل إنتاج وتوزيع الكهرباء أو الغاز، أو تصريف المجاري .. إلخ، حيث يترتب على المنافسة في مثل هذه المجالات إنشاء شبكات عدة لتوزيع السلعة نفسها أو تقديم الخدمة نفسها، وتتحول الشوارع أو باطن الأرض إلى غابة من الشبكات التي تتكلف أموالا طائلة تؤدي إلى رفع التكلفة على المستهلك النهائي، لذلك تعمد الدول إلى قصر عملية إنتاج وتوزيع مثل هذه السلع على محتكر واحد، الذي غالبا ما يكون الدولة نفسها.
فيما عدا هذه الحالة الخاصة للاحتكارات الطبيعية، فإن الاحتكار أمر سيئ أيضا من الناحية الاقتصادية، لآثاره السلبية المتعددة، بصفة خاصة على رفاهية المستهلك وإعادة توزيع الدخل في الاقتصاد (لمصلحة المحتكر)، وقلما تخلو النظم التشريعية في دول العالم من تشريع ينظم المنافسة ويحارب الاحتكار، وهو ما يطلق عليه غالبا قوانين محاربة الاحتكار Anti-Trust Laws، فإذا كان ذلك في مجال السلع المختلفة، فما بالنا إذا تعلق الأمر بإحدى الضرورات الأساسية لمعيشة الفرد، وهو السكن.
الأرض بطبيعتها أصل عام يدخل ضمن نطاق ملكية الدولة، وتوزيعها وحيازتها يتم أساسا من خلالها، ومن الناحية القانونية لا يستطيع أي شخص أن يدعي ملكيته لقطعة أرض ما دون أن يحصل على مستند رسمي بذلك من الدولة، باعتبارها صاحبة الحق الوحيد في منح هذا الحق. فلماذا إذن تمنح الدولة حق ملكية الأرض؟ لا شك أن الإجابة هي أن منح هذا الحق يقابله من الناحية العملية التزام من المالك بإعمار هذه الأرض، أي تحويلها من أصل عقيم (أرض فضاء)، إلى أصل منتج، وفي الحديث الشريف ''من أحيا أرضا ميتة فهي له'' رواه البخاري، أي أن الأصل هو أن الأرض ينبغي ألا يتم تملكها وهي ميتة (فضاء)، إلا بعد إحيائها، أو بالمفهوم الاقتصادي تحويلها إلى أصل منتج.
تتحول الأرض إلى أصل منتج مثلا عندما يتم استصلاحها وزراعتها، فتتحول إلى أصل منتج يسهم في زيادة عرض السلع الزراعية، أو أن تقام عليها المصانع، فتتحول إلى أصل منتج يسهم في زيادة عرض السلع المصنعة، أو يقام عليها الملاعب أو المتنزهات .. إلخ، فتتحول إلى أصل منتج يسهم في زيادة العرض من الخدمات الترفيهية للمقيمين، أو أن تقام عليها المساكن، مرة أخرى فتتحول الأرض إلى أصل منتج يسهم في زيادة العرض من خدمات السكن.
حبس الأرض عن التداول والاحتفاظ بها لمدى زمني غير محدد دون إحيائها، يبعد الأرض عن الغرض الأساسي الذي من أجله تمت عملية تخصيصها أو منح الحق بتملكها، إذ يترتب على ذلك تحول الأرض إلى أصل عقيم، لكنه يدر دخلا ريعيا لمن يحتفظ به، دون أن يقابل ذلك زيادة في عرض السلع والخدمات، وهو أمر ضار جدا من الناحية الاقتصادية، حيث يخلق مناخا مواتيا للضغوط التضخمية (دخل من دون إنتاج). من ناحية أخرى، فإن ذلك ينشر ثقافة حبس الأرض عن التداول في المجتمع، وذلك في إطار حلقة خبيثة من حبس الأرض، فارتفاع الأسعار، ومع كل ارتفاع يحدث في الأسعار تزداد الحوافز نحو حبس الأرض، وهكذا، من يدفع تكلفة هذه الحلقة الخبيثة هو – مع الأسف الشديد - المستهلك النهائي لخدمات السكن في الدولة، والذي يجد نفسه يدفع ثمنا مبالغا فيه للأرض دون أن يعبر هذا الثمن عن التكلفة الحقيقية لها.
ترى كم مساحة الأراضي المعطلة عن وظيفتها الأساسية التي تم منحها أو تمليكها على أساسها؟ مع الأسف الشديد لا توجد لدينا إحصاءات موثقة بمساحة هذه الأرض، وكل ما يصل إلينا هو من الملاحظات الفردية، وهي، على أهميتها، لا تمثل مصدرا موثوقا به للحكم على درجة عمق انتشار الظاهرة، لكن الشواهد تشير إلى أن هذه الظاهرة منتشرة على نطاق واسع، وأن ميل أسعار الأراضي في المملكة نحو التزايد إلى مستويات فلكية إنما يعكس بالفعل خللا في قوى العرض والطلب في سوق الأراضي والقواعد التي تنظم آليات التوازن في هذه السوق، خصوصا أن المملكة دولة مترامية الأطراف، ومساحة أرضها كبيرة جدا بالنسبة إلى الكتلة السكانية التي تقطنها.
إذا كانت الدولة صاحبة الحق الوحيد في منح صك ملكية الأرض، فيجب أن يكون للدولة أيضا حق انتزاع ملكية الأرض إذا انحرف المالكون لها عن الهدف الأساسي من تمليك الدولة لهم لهذه الأرض، وحولوها إلى أصل عقيم من خلال تخزينها، حيث لا يتكلف تخزين الأرض شيئا على الإطلاق، لترتفع أسعارها يوما بعد يوم وترتفع بالتالي ثروات حابسيها، على حساب عموم الناس.
الإصلاح التشريعي المطلوب في المملكة اليوم هو استصدار قانون ينظم ملكية الأرض الفضاء بحيث لا تكون هذه الملكية مطلقة من الناحية الزمنية، لأن إطلاق ملكية الأرض الفضاء يؤدي إلى الإضرار بعموم الناس ويستغل حاجة أساسية لهم، وهي خدمة السكن، حتى يساعد المشرع على حل المشكلة الإسكانية في المملكة على نحو كبير، وهذه تصوراتي للتشريع المقترح.
أولا: يجب أن ينص القانون على منع استمرار ملكية الأرض الفضاء لفترة طويلة من الزمن، إلا لسبب قهري، مثل عدم توافر الخدمات الأساسية أو البنى التحتية التي تسمح باستغلالها.
ثانيا: يمهل حائزو الأراضي الفضاء مدة زمنية، لا تزيد على ثلاث سنوات من تاريخ امتلاكهم لها لبدء استغلال هذه الأراضي، فإذا لم يحدث تعامل الأرض معاملة الأرض المهجورة، أي تعود ملكيتها للدولة مرة أخرى. يقول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه، ''من أحيا أرضاً ميتة فهي له وليس لمحتجر حق بعد ثلاث سنين''، والتحجير هو وضع اليد على الأرض أو شراؤها من الدولة وإبقاؤها معطلة دون إحياء انتظارا لارتفاع أسعارها ثم بيعها وتحقيق أرباح ريعية منها، وهو بالضبط ما يحدث حاليا.
ثالثا: تنتزع الدولة ملكية الأراضي الفضاء غير المستغلة لمدة أكثر من ثلاث سنوات مع التعويض المناسب للمالك، الذي يجب ألا يتجاوز تكلفة شرائها من الدولة أو من الغير في عقد التمليك الأول لها، حتى لا ترتفع تكلفة الأرض على من يعاد تخصيصها له.
رابعا: للدولة أن تعيد تخصيص الأراضي المنتزعة مرة أخرى على مستفيدين جدد، ليس من بينهم من تم انتزاع ملكية الأرض منه، أو أن تستخدمها الدولة بشكل مباشر في إقامة المساكن عليها وتوزيعها مباشرة على المستحق من المواطنين.
خامسا: إذا ثبتت استحالة إحياء الأرض من الناحية العملية بسبب عدم توافر التسهيلات التي تحول دون ذلك، يمهل محتجزو الأراضي حتى تقوم الدولة بتوفير هذه التسهيلات، لبدء استغلالها على الفور، وإلا انتزعتها الدولة منهم.
في نهاية هذا المقال لا يفوتني أن أعزي إخواني من الشعب السعودي في وفاة الأمير سلطان بن عبد العزيز آل سعود، ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع والطيران والمفتش العام، تغمده الله بالرحمة وجعل مثواه الجنة.