رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


لماذا يا مصر كل هذا؟

ذكر حسام بدراوي أن الأمية بلغت في مصر 17 مليونا في عام 2010، وقد ذكر أخيراً المركز القومي للإحصاء أن الهجرة الرسمية من مصر في خلال الفترة 2010 ــــ 2006 بلغت نحو 630 ألف شخص، في ظل عدد سكاني يصل إلى 80 مليوناً، ويزيد بنسبة 1.8 في المائة سنوياً. هذه الحقائق السكانية تأتي على خلفية أن مصر مرت بثلاث ثورات في أقل من 100 عام. فمصر الثورات أصبحت عاجزة عن إنجاز الأبسط والمهم، وهو البناء الذاتي الصائب لتحقيق مجتمع متكامل وناجح.
الثورة الأولى في عام 1916، والتي بدأت بغرض طرد المحتل البريطاني بقيادة سعد زغلول ونجحت جزئياً وعرفت بالفترة الليبرالية لاحقاً حين سمح للأحزاب والصحافة بحرية أكثر وانتهت بانتخاب برلمانات نشطة في ظل استقلال منقوص حتى عام 1936. تلت تلك ثورة 1952، ولو أن البعض يصفها بالانقلاب أكثر من الثورة، إلا أنها استطاعت تغيير المسار بالتركيز على البُعد القومي في أوج الناصرية. الثورة الثانية استهلكت نفسها في اكتمال الصراع مع إسرائيل ومستنقع اليمن ولم يساعدها اعتناق سياسة اقتصادية اشتراكية بما في ذلك من تضعيف للاقتصاد وإفساد أخلاقيات العمل. وأخيراً في كانون الثاني (يناير) 2011 نشهد الثورة الثالثة التي قوامها المطالب الإنسانية العادلة، خاصة أنها أتت بعد نجاحات مؤثرة للرئيس السادات وإنجازات واضحة لمبارك حتى آخر عشر سنوات من حكمه على الأقل. يذكر علماء الاجتماع السياسي أن الثورات تحدث غالبا حينما يكون هناك قفزات ملحوظة وتزامن ذلك مع اختلالات كثيرة، كما أن الثورة المعلوماتية والاستهلاكية أفرزت أنماطاً جديدة من التصرفات الفردية والجمعية.
الملاحظ هنا هو تكاثر الثورات في مجتمع لم يحقق الكثير على السلم الحضاري العالمي، على الرغم من المركزية الحقيقية أحياناً والمفترضة أحياناً لمصر في المنطقة. في إنجلترا كانت هناك ثورة واحدة قبل نحو 300 عام، وفي فرنسا ثورة قبل أكثر من 200 عام، وفي اليابان ثورة ميجي قبل نحو 150 عاماً (على الرغم من منعطف الحرب)، وفي الصين منذ نحو 60 عاماً، وأخيراً في تركيا منذ نحو 90 عاماً، ما تلا تلك الثورات في كل من هذه الدول المهمة هو تحسينات وتنقية للثورة وتطور تدريجي في خط بياني إيجابي. بينما تجد أن الخط البياني في مصر متعرج، وبالتالي لم يصل إلى الهدف المنشود. لعل السؤال الأولي هل الثورة في العالم العربي أصبحت ظاهرة خلدونية أكثر منها ظاهرة تطويرية؟ وبالتالي هل هي سبب في التخلف وتعبير عن رفض منهجية البناء المنظم والمنضبط من قبل النخب والقاعدة الشعبية من خلال تداخل في الأدوار يصعب فهمه وتحليله؟
اللافت أن مصر في حالتَيْ الثورتَيْن الأولى والثانية استطاعت الحفاظ على مركزية مصر في المنطقة، إن لم نقل قيادتها في بعض نواحي الحياة. ولكن مصر بدأت تدريجياً تخسر مركزيتها في المنطقة بعد هزيمة 67، وازداد هذا المنحنى بعد ارتفاع أسعار النفط وازدياد الفجوة التنموية بين المنطقة عامة والعالم الحديث، فلم تعد مصر نبراساً للمنطقة على الرغم من رأس المال العاطفي عند الكثير، وخاصة في مصر. حان الوقت لمصر ونخبها مواجهة ساعة الحقيقة المرة من خلال التوجه للداخل وبناء الذات. السياسة الخارجية تعبير ووسيلة لخدمة السياسة الداخلية. الواضح أن السياسة الداخلية مضطربة وفاقدة للبوصلة التنموية في ظل حالة عالمية يقودها عالم الاقتصاد: في المقام الأخير يجب أن يكون هناك توفير رأسمال فائض لاستثماره من خلال إنتاجية أعلى مجتمعياً، وهذه تتطلب أموراً عديدة منها القضاء على الأمية واستعداد المصريين للهجرة للدول الأكثر تقدماً وهذا لم يحدث تراكمياً في ظل الثورات السابقة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي