المطالبة بالمصرفية الإسلامية في «وول ستريت»
الربيع العربي يظهر أنه تحول إلى خريف غربي، فالفترة الماضية شهدت مظاهرات متفرقة في الدول الغربية بدءا بنيويورك وإيطاليا وإسبانيا وغيرها احتجاجا على الوضع الاقتصادي المتردي، الذي لم تزده المسكنات التي تدفع بها الحكومات الغربية إلا مزيدا من المرض واستشراء رغم الوعود والتوقعات بتحسن الأوضاع وعودة الانتعاش لاقتصادات الدول الغربية.
بطبيعة الحال فإن الأنظمة السياسية الغربية هي أنظمة منتخبة، وبالتالي فمسألة التغيير تتم من خلال صناديق الاقتراع بعكس نظامها المالي، الذي حارب النظام الشيوعي بغية سيادة النظام الرأسمالي، لذلك كانت الاحتجاجات على الأنظمة الاقتصادية التي تحكم الدول الغربية التي تم استغلال الثغرات بهذا النظام ليحقق الإثراء للأقلية مقابل أن يكون السواد الأعظم من الأفراد يتحمل هذه الأزمات وتجعلهم معرضين للمخاطر وأكثر تأثرا بالأزمات.
من المشاهد الغريبة خلال مظاهرة وول ستريت Wall Street الصورة التي تناقلتها مواقع التواصل الاجتماعي تويتر والفيسبوك، والبريد الإلكتروني، التي يظهر فيها أحد المتظاهرين وهو يحمل لوحة كتب عليها Let’s Bank the Muslim way، أي لنمارس المصرفية بطريقة المسلمين، في مشهد اعتبره كثير من القراء شهادة للمصرفية الإسلامية والنظام الاقتصادي والمالي الإسلامي.
النظام المالي الإسلامي لا شك أنه نظام إلهي يهدف إلى تحقيق العدالة للفرد والمجتمع، ودعم دورة الاقتصادية الطبيعية التي تسعى إلى مصلحة العامة مع مراعاة المرونة في التشريعات بحيث تتواكب مع طبيعة التطور البشري في جوانب متعددة ومنها الاقتصاد. والنظام المالي والاقتصادي الإسلامي لا يختص إطلاقا بالمسلمين، فالأصل أن التشريعات والمبادئ التي جاءت في النظام المالي الإسلامي هي في الأساس موجودة في الأديان السماوية السابقة.
لعل من أهم أسباب اهتمام كثير من الخبراء والمختصين بالتمويل الإسلامي أو النظام المالي والاقتصادي الإسلامي بشكل عام وهو جانب الخلل الذي يعانيه النظام الرأسمالي، الذي كان من نتائجه حصول الأزمة المالية العالمية وأزمات مالية سابقة، ولعل هذه الأزمة كشفت أن مثل هذا النظام يصعب استمراره بهذه الآلية، خصوصا مع وجود قوى اقتصادية تتطور بشكل متسارع مثل الصين والهند، ودول أخرى بدأت تتطور وتنافس، وقد تتهيأ لها الفرص مستقبلا لأن تكون قوى اقتصادية تتطور بالطريقة التي تطورت بها الصين والهند. وبالتالي تتسع المنافسة في هذه المرحلة بين الدول الناشئة والدول الصناعية في الغرب.
هذه عناصر كلها قد تمثل تهديدا لاقتصادات الدول الصناعية، خصوصا في أوروبا وأمريكا الشمالية، التي لديها قلق حقيقي من مستقبلها الاقتصادي في ظل هذه الأزمة التي أصبحت اليوم أكثر تعقيدا من ذي قبل، حتى بدأت شعوب تلك الدول في قلق وشك من قدرة تلك الدول على حل الأزمة، ولذلك خرجت لتعترض على النظام الذي كون الفجوة بين الطبقة العاملة الكادحة والأثرياء، اعتقادا بأن النظام المالي الرأسمالي الغربي يوجد به خلل كان سببا في أن تكون الأزمة معقدة بهذه الصورة.
كثيرا ما كنا نقرأ سابقا أن المؤسسات المالية الغربية والشركات الكبرى تهتم بالنظام المالي الإسلامي نظرا للمصلحة التي تتحقق من استقطاب أموال الأثرياء والدول الإسلامية، وهذا قد يكون جزئيا صحيحا، لكن المسألة بشكلها العام يفترض أن ينظر إليها على أساس أنها استفادة متبادلة. لكن في الصورة التي تظهر فيها المتظاهرة، وتصريح سابق للفاتيكان، وآراء الخبراء لا يمكن أن نصفه أيضا بأنه بغرض الاستفادة من أموال الدول الإسلامية.
من قراءة في الفكر الغربي نجد أن هناك انفتاحا بشكل عام على الشعوب والثقافات، وتستفيد هذه الدول من جميع من يمكن أن تستفيد منه، وتهيئ البيئة الجاذبة والمناسبة لهذه العقول، بحيث تحفزها على الإبداع والاستقرار، لذلك من الممكن أن تكون هذه الشعوب أيضا تريد أن تستفيد من أنظمة وأفكار أخرى، وهذه العبارة التي ظهرت في وول ستريت قد تبرز أن المسألة مرتبطة بما هو موجود في النظام المالي الإسلامي من منع لمعاملات كانت سببا في الأزمة المالية العالمية، لكن ليست بالضرورة مرتبطة بالبنوك الإسلامية التي تشهد في تطبيقاتها عدم وجود التزام بمعايير محددة ومشتركة، وتنظيم على مستوى عال من الكفاءة فيما يتعلق بالجوانب الشرعية.
الخلاصة أن الأزمة المالية العالمية تعتبر فرصة لإبراز الجوانب التي تميز النظام المالي الإسلامي، وأن يكون له دور في صياغة النظام المالي العالمي الجديد في حال أن العالم اقتنع بالخلل في النظام الحالي وبدأ في التغيير، وهذا يتطلب أن تبدأ الدول الإسلامية بتقديمه كنموذج متكامل قابل للتطبيق متواكب مع تطور النظام المالي العالمي، فالدول الإسلامية أحق بالاستفادة منه، وأن نتبناه، ولا نغرق كثيرا عند الحديث عن مسألة أن الغرب يريد استقطاب أموال المسلمين، فحجم أصول المالية الإسلامية تشكل أقل من عُشر الناتج القومي للولايات المتحدة، وقد يكون أقل من 1 في المائة من حجم الأصول المالية في العالم.