هل تتأثر أسعار الأراضي بالضرائب؟
يكثر الجدل هذه الأيام عن جدوى فرض رسوم (أو على الأصح ضرائب ملكية) على الأراضي ومدى نجاحها في خفض أسعار الأراضي التي تسارعت في الآونة الأخيرة. ويحاول المعارضون لفرض الضريبة التشكيك في قدرة الضريبة على خفض الأسعار، بل يروج بعضهم بأن الضريبة سترفع الأسعار وسيتحملها المشترون. وفي المقابل يتوقع المختصون أن يؤدي فرض ضريبة الأراضي إلى تراجع أسعارها، حيث ستتسبب عوامل العرض والطلب في تحميل ضريبة الملكية على كاهل ملاك الأراضي، وأن من الصعب تحميلها على المشترين. وتفرض معظم دول العالم ضرائب الملكية والمبيعات والمكاسب الرأسمالية على كافة العقارات. وتحصل ضريبة المكاسب الرأسمالية بعد البيع من المالك حيث يدفع للدولة جزءا من مكاسبه في استثمار العقار (وكل الاستثمارات) وتأثيرها محايد تقريباً في أسعار العقار. وبالنسبة لضريبة المبيعات فهي تحصل على العقار وقت إفراغ العقارات في المحاكم ويتحملها المشترون. وترفع ضريبة المبيعات على العقار أسعار الأراضي، لكنها تساعد على خفض مستويات المضاربة على الأراضي، كما أنها توفر موارد مالية عامة لخزانة الدولة. أما ضريبة الملكية العقارية – وهي المقترح تطبيقها على الأراضي في المملكة - فتجمع في موعد سنوي محدد ويدفعها المالك وقت استحقاقها. ونظراً لكون عرض العقار ثابتا فإن الذي يحدد سعر العقار ليس العرض كما يتصور البعض، لكنه استعداد المشترين للدفع. وأدى كون منحنى عرض العقار عمودياً إلى تحميل ملاك العقار ضريبة الملكية بالكامل. وبهذه الحالة لا تؤدي ضريبة العقار إلى رفع أسعار العقار، بل على العكس من ذلك فإنها تخفض أسعار العقار. ويأتي انخفاض الأسعار نتيجةً لتسبب الضريبة في خفض إيرادات الاستثمارات العقارية. وسيقود انخفاض إيرادات الاستثمار إلى خفض القيمة الحالية لإجمالي الدخول المستقبلية من العقار وبالتالي خفض أسعاره.
ومن السهل نظرياً إثبات نجاح ضريبة ملكية العقار في خفض الأسعار، لكن تقدير مقدار التراجع في الأسعار يتطلب توافر بعض البيانات. ولقياس تأثير معدل ضريبة ملكية في أسعار الأراضي لا بد من معرفة معدل عائد الاستثمار في الأراضي. ولا توجد مؤشرات رسمية في المملكة لمعدلات العائد على الأراضي، كما أن معظم التقديرات التي تظهر بين الفينة والأخرى في بعض الإصدارات من دراسات وصحف تبدو بعيدة عن الواقع. ولتقدير معدل العائد على الاستثمار في الأراضي تم اللجوء هنا إلى المشاهدة الشخصية في الأحياء السكنية الواقعة شرق الرياض خلال 23 عاماً الماضية. ولا تعتبر هذه المشاهدة ممثلة بصورة أكيدة لتطورات أسعار الأراضي في أرجاء المملكة كافة خلال الفترة، لكنها محاولة فقط لقياس العائد في هذه المنطقة، الذي يرجى أن يكون قريباً من متوسط تطورات الأسعار في باقي المناطق. وتضاعفت أسعار الأراضي خلال الأعوام الثلاثة والعشرين الماضية في بعض مناطق شرق الرياض ما بين أربع مرات ونصف وعشرة أضعاف. وهذا الارتفاع خلال الفترة يمثل عائداً سنوياً يراوح بين 6,76 في المائة و10,53 في المائة. ويمكن أخذ متوسط هذين الرقمين لتقدير معدلات العائد على الاستثمار في الأراضي بشكل عام في هذه المنطقة، حيث بلغ نحو 8,64 في المائة خلال الفترة. وهذا المعدل أكثر من جيد ويفسر إلى حد كبير تهافت المستثمرين على الاستثمار في الأراضي. ورغم ارتفاع معدلات عائد الاستثمار في الأراضي إلا أنه ليس مرتفعاً جداً كما يتصور البعض، فكثير من الذين استثمروا في أنشطة إنتاجية حققوا معدلات نمو أعلى لثرواتهم من هذه المعدلات.
وفي حالة فرض ضريبة ملكية على الأراضي بنسبة 1 في المائة فإن معدل العائد السنوي على الاستثمار في الأراضي والمقدر بنحو 8,6 في المائة سينخفض بعد الضريبة إلى 7,6 في المائة. وعند تراجع العائد السنوي فإن المستثمرين لن يكونوا مستعدين لدفع السعر نفسه الذي كان سائداً قبل الضريبة، ونتيجةً لذلك سيخفضون أسعار الأراضي للتعويض عن تراجع العائد بعد فرض الضريبة، وفي هذه الحالة ستنخفض الأسعار بنحو 11,6 في المائة. أما إذا فرضت ضريبة ملكية مقدارها 2 في المائة فإن التراجع في أسعار الأراضي سيبلغ نحو 23,3 في المائة. ولو تم فرض الزكاة على الأراضي فإن التراجع سيصل إلى 29,1 في المائة من مستوى الأسعار قبل فرض الضريبة. وسيتوقف حجم التراجع في أسعار الأراضي على نسبة الضريبة ومقدار العائد، فكلما ارتفعت الضريبة ارتفع مقدار التراجع في أسعار العقار، وفي المقابل كلما ارتفع معدل العائد على الاستثمار في الأراضي انخفض مقدار التراجع في الأسعار نتيجةً لفرض الضريبة. أما إذا كان معدل العائد على الاستثمار في الأراضي منخفضاً فإن حجم التراجع سيكون كبيراً بعد فرض الضرائب. ونظراً لاختلاف معدلات العائد من موقع إلى موقع ومن حي إلى آخر ومن مدينة إلى أخرى فإن تراجع الأسعار لن يكون موحداً، وهذا قد يكون أحد أسباب فرض هذا النوع من الضرائب على أساس محلي في كثير من دول العالم.
وستؤثر ضريبة ملكية العقار في الاستثمار طويل الأجل بينما سيكون تأثيرها أقل في الاستثمار قصير الأجل، بينما تؤثر ضريبة مبيعات العقار في الاستثمار قصير الأجل بدرجة أكبر. ولهذا فإن ضريبة ملكية العقار تستهدف في المقام الأول الحد من الاحتفاظ بالأراضي لمدد طويلة من دون تطويرها، وتحدد معدلات العائد طويلة الأجل منافع اكتناز الثروة في الأراضي. وقد يشهد العائد من الاستثمار في الأراضي قصير أو متوسط الأجل تقلبات قوية بسبب الدورات الاقتصادية، لكن العائد المرتفع على الأمد الطويل هو الذي يفاقم مشكلة الأراضي والاحتفاظ بها لمدد طويلة بدون استغلال أمثل. ويتطلب أي خفض قوي لأسعار الأراضي فرض ضرائب ملكية مرتفعة على الأراضي، لكن تكاليف ذلك قد تكون مرتفعة، كما يتطلب نجاح الضريبة في خفض أسعار الأراضي ضرورة تحصيلها وقت حلولها، حيث سيؤدي كثرة التهرب منها إلى خفض فاعليتها. أما إذا لم تفعل ضريبة الملكية بشكل سنوي وترك فرضها حتى عمليات البيع فإن المشترين سيتحملون ولو جزءا من هذه الضريبة وبهذا فلن تخفض الضريبة أسعار الأراضي، بل قد تضيف إلى أسعارها.