المفاهيم الصحيحة للعلاقات العامة تأخرت كثيرا في دول الخليج.. وسننجح ولو بعد حين

المفاهيم الصحيحة للعلاقات العامة تأخرت كثيرا في دول الخليج.. وسننجح ولو بعد حين
المفاهيم الصحيحة للعلاقات العامة تأخرت كثيرا في دول الخليج.. وسننجح ولو بعد حين

كان مفهوم صناعة العلاقات العامة شبه غائب عن الساحة المحلية قبل 20 عاما، وبدأ في الظهور تدريجيا وعلى استحياء في مرحلة التسعينيات، ثم بدأ يتشكل كمفهوم مستقل ومؤثر في القطاعين العام والخاص في السنوات العشر الأخيرة، حتى صار اليوم رافدا رئيسا للأعمال لا يمكن الاستغناء عنه أبدا.
ولتسليط الضوء على عالم العلاقات العامة كان لنا هذا الحوار مع أحد المتخصصين من ذوي الخبرات الكبيرة في هذا المجال، وهو منذر بن محمود طيب، مدير عام العلاقات العامة في شركة بي أيه إي سيستمز السعودية، الذي أسهم خلال السنوات العشر الماضية في بناء مفهوم العلاقات العامة محليا، وسلّط عليه الكثير من الضوء من خلال النشاطات المتعددة في هذا المجال.. فإلى التفاصيل:

كيف ترى واقع العلاقات العامة محليا؟
قبل أن أقول رأيي في واقع العلاقات العامة محليا، اسمح لي أن أتقدم بالشكر الجزيل لكم لهذه الاستضافة الكريمة التي أتمنى من الله أن تفتح للقارئ الكريم نافذة صغيرة تساعده على فهم عالم العلاقات العامة.. أسراره وتفاصيله.
الكل يعلم أن مفهوم العلاقات العامة تأخر كثيرا في الظهور في المنطقة الخليجية، فعلى الرغم من أن علم العلاقات العامة بمفهومه الحديث نشأ في بداية القرن الماضي، واشتد عوده في منتصف القرن؛ وذلك نتيجة لنشوء كيانات اقتصادية عملاقة آنذاك، إلا أنه لم يدخل دول الخليج العربي إلا في تسعينيات القرن الماضي لظروف عدة، لعل من أبرزها عدم وجود بنية اقتصادية معقدة وقوية تستدعي وجود هذا النوع من العلوم المساعدة في تسيير الأعمال بشكل سلس ومنتج قبل هذا التاريخ.
كان ظهور العلاقات العامة قبل التسعينيات في منطقة الخليج مرتبطا بالأعمال البسيطة المتمثلة في التخطيط غير العلمي للاحتفالات والمناسبات ذات الطابع البسيط التي لم تكن تحتاج إلى أكثر من دعوة صغيرة وبرنامج غير معقد ينتهي بوجبة عشاء على الطريقة العربية. كان موظفو العلاقات العامة في ذلك الوقت أشبه بأرباب الكرم؛ إذ كان موظفو الشركة أو القطاع العام لا يرونهم إلا في ليالي الولائم.
هذه النظرة تغيرت تدريجيا وصار دور رجل العلاقات العامة أكثر تعقيدا في الزمن الحاضر، ومع تحفظي الكبير على بعض المنتمين لهذه المهنة محليا والذين لم يستطيعوا حتى الآن تجاوز مرحلة التسعينيات، إلا أن الوضع بشكل عام مبشر ويسير في الاتجاه الصحيح.
من آخر فقرة من إجابتك، يتبادر إلى ذهني سؤال طالما تردد، لماذا يرتبط رجل العلاقات العامة محليا بقراءة الجرائد وتوصيل الضيوف من وإلى المطار؟!
هذه فعلا إحدى المشاكل التي نسعى نحن المهتمين والمشتغلين بهذا العلم، إلى تغييرها إلى الأبد وسننجح - إن شاء الله ولو بعد حين. ما زال بعض الناس يخلط بين رجل العلاقات العامة ورجل البروتوكول أو المراسم، فيلبسون لباس هذا على هذا أو العكس، مع أن الفرق بينهما كبير جدا ولا تخطئه عين، كما أن التركة الثقيلة التي خلفتها البدائية في تعاطي العلاقات العامة قبل التسعينيات كتنظيم إداري مستقل، ما زالت تؤثر بعض الشيء في النظرة العامة لهذا العلم.

#2#

قراءة الجرائد وتصفح المواقع الإلكترونية ومواقع الإعلام الاجتماعي هي بلا شك أحد أدوار موظف العلاقات العامة لرصد نبض الشارع الرسمي وغير الرسمي حيال منظمته التي يعمل بها؛ للخروج بتقرير يفيد صناع القرار بها، لكن ذلك يمثل جزءا صغيرا جدا من سلسلة الأعمال اليومية التي يقوم بها.
وما هي بالضبط طبيعة هذه الأعمال؟
موظف العلاقات العامة هو ضابط إيقاع المنظمة التي يعمل بها، فإن كان إيقاعه أبطأ من اللازم دخلت منظمته في الظلامن وانعكس ذلك على مدى حضورها وتأثيرها في محيطها الذي تعمل فيه، وإن زاد عن الحد المعقول سبب جلبة وضوضاء قد تجلب سلسلة من المشاكل التي لا تنتهي.
موظف العلاقات العامة مسؤول عن إنشاء قنوات احترافية تربط موظفي المنشأة صعودا بإدارتهم العليا ونزولا مرة أخرى إلى الموظفين، والحفاظ على قوة هذه القنوات ووضوحها وشفافيتها. كما أنه مسؤول عن حماية اسم وصورة الشركة داخليا وخارجيا من خلال إدارة الأزمات اعتمادا على خلفيته الإعلامية خارجيا وخبرته في بناء شبكة تواصل متينة وموثوقة داخليا. موظف العلاقات العامة كذلك مسؤول عن إدارة حسابات علاقة المنظمة التي يعمل بها، مع الأفراد أو المنظمات التي تربطها بمنظمته مصالح آنية أو دائمة. ومن أدواره كذلك العمل على ضمان انتشار المعرفة والخبرات وضمان وصولها ومشاركتها إلى الأطراف المعنية كافة.
باعتباركم من المهتمين وظيفيا وشخصيا في حقل العلاقات العامة في المملكة، كيف تقيّمون وضع العلاقات العامة في السوق السعودية حاليا؟
أؤكد أن مجتمع الأعمال السعودي قطع شوطا لا بأس به في مجال العلاقات العامة واستيعاب أهميتها لأي منشأة لديها طموح ورغبة في الإنجاز. لكن ما تحقق لا شك أنه لا يرقى إلى المستوى المأمول.
ومن المهم أن ندرك أن حملات العلاقات العامة لا تطرح نفسها كبديل للحملات التسويقية، بل هي تشكل جزءا أصيلا ومكملا لها. وهناك فرق جوهري بين العلاقات العامة والإعلان، فالأولى تتوجه إلى شريحة أكبر من الجمهور وتسعى إلى خلق سمعة طيبة للمنشأة وتثمر نتائجها على المدى البعيد، في حين يتوجه الإعلان مباشرة إلى المستهلك ويهدف للترويج لسلعة أو خدمة محددة.
وحقيقة، فإن واقع العلاقات العامة في السعودية مثل غيره من دول المنطقة، حيث لم يحظ مسؤولو العلاقات العامة بالاعتراف الذي ينشدونه حتى الآن. والكثير من المنشآت في تلك الدول تنشئ قسما للعلاقات العامة بهدف استكمال المظهر الإداري في المنشأة وينشغل العاملون فيه بالتعقيب لدى الدوائر الحكومية، وذلك مفهوم خاطئ بلا شك. وفي أحسن الأحوال، ينظر للعلاقات العامة كإدارة تقوم بتنظيم الحفلات واستقبال وتوديع الضيوف والتشريفات وكتابة الأخبار والبيانات في الصحف.
ونتيجة لذلك نجد أن أغلب موظفي العلاقات العامة في المنشآت ليسوا من المتخصصين في مجال العلاقات العامة. وهنا ينبغي تدريب هؤلاء الموظفين للارتقاء بمستواهم وتنمية معارفهم ومهاراتهم وتغيير اتجاهاتهم بهدف تمكينهم من أداء أعمالهم بكفاءة وفاعلية.
وماذا تحقق في السعودية مقارنة ببقية الدول العربية؟
لا ينكر أحد أن المملكة العربية السعودية تعيش نهضة في شتى المجالات، ومنها بطبيعة الحال مجال العلاقات العامة. وإذا نظرنا إلى ما تحقق لدينا مقارنة بالعديد من الدول العربية، سنجد أن الميزان يميل لصالحنا في هذا الجانب. وعلى سبيل المثال، فنحن لدينا الآن كيان معني بالاهتمام بالعاملين في مجال العلاقات العامة وهو الجمعية السعودية للعلاقات العامة والإعلان ''سابرا''.
وتهدف الجمعية إلى تنمية الفكر العلمي في مجال العلاقات العامة والإعلان وتطويره، وتحقيق التواصل العلمي لأعضاء الجمعية وإتاحة الفرصة للعاملين في مجال اهتمامات الجمعية للإسهام في حركة التقدم في مجال العلاقات العامة والإعلان، وتقديم المشورة العلمية في قضايا العلاقات العامة والإعلان والقيام بالدراسات اللازمة لرفع مستوى الأداء في مجالات اهتمام الجمعية في المؤسسات والهيئات المختلفة، وتطوير الأداء العلمي والمهني لأعضاء الجمعية، وتيسير تبادل الإنتاج والأفكار العلمية في مجال العلاقات العامة والإعلان بين الهيئات والمؤسسات المعنية داخل المملكة وخارجها، والمساهمة في وضع معايير مناسبة في تخصص الجمعية.
هل حقا مهنة العلاقات العامة مهنة ذكورية في السعودية؟
حتى الآن، يمكن القول نعم. لكن هناك توجها من الجمعية لتأهيل الفتيات السعوديات في حقل العلاقات العامة والإعلان، حيث إن غالبية المتخصصات يحملن المؤهل العلمي من دون خبرة عملية تكفل لهن الانخراط في سوق العمل وهن على دراية بمعنى ''مسؤولة علاقات عامة''.
ألا ترى أن السوق السعودية في حاجة إلى وكالات متخصصة في الخدمات الاستشارية؟
معك حق، بالنسبة للخدمات الاستشارية التخصصية في العلاقات العامة، يلاحظ أن السوق تفتقر بشكل كبير إلى وكالات العلاقات العامة التي تقدم خدمة حقيقية مواكبة لأحدث الاتجاهات والممارسات في هذا القطاع. ونتيجة لغياب مثل هذه الوكالات، نجد أن وكالات الدعاية والإعلان قد استحوذت على هذا الدور، وهذا غير سليم ولا يخدم العلاقات العامة.
ما هي طموحاتك في هذا المجال؟
الطموحات كثيرة ولا حدود لها، لكن ما أتمناه بالنسبة إلى مهنة العلاقات العامة هو أن يسود الفهم الصحيح لهذه المهنة المهمة لمجتمع المال والأعمال. وأتمنى أن يستوعب العاملون في هذا الحقل والمسؤولون في المؤسسات أن عمل العلاقات العامة يتضمن نوعين أساسيين من الأنشطة: البحوث العلمية، ووسائل الاتصال، فالبحث العلمي جانب حيوي في العلاقات العامة؛ لأن المنظمة قد لا تعرف رأي الجمهور فيها وكيف يفكر الناس بها، ولماذا يعتنقون تلك الآراء عنها.
ولا بد من معرفة إجابات دقيقة عن تلك الأسئلة؛ لمساعدة إدارة المنظمة في تحديد سياساتها وممارساتها؛ لذا ينبغي أن يستفيد خبراء العلاقات العامة من البحوث العلمية واستطلاعات الرأي في الحصول على معلومات من الجمهور؛ فالباحثون يجمعون المعلومات التي تساعد على تحديد المشكلات والمواقف العديدة التي تواجه المنظمة في الصناعة ومجتمع الأعمال.

الأكثر قراءة