أمطار الخريف.. رعب يتهدّد مدينة جدة!

في تاريخنا الحديث لنا مناسبات تقليدية نقف عندها محتفلين بها كالأطفال؛ ويعتبر موسم الأمطار من هذه المناسبات الأثيرة إلى قلوبنا ونفوسنا، وفي هذه الأيام نقترب من موسم الأمطار؛ وكنا دائما ونحن نقترب من هذا الموسم نشعر بفرحة غامرة تتسلل إلى نفوسنا وقلوبنا فنغني لزخات المطر وهي تنقر الأرض وتلسع أجسامنا بأحلى وأجود أنواع الماء؛ وكنا حينما تسقط الأمطار نغادر بيوتنا وننطلق في الأزقة ونشدو بالأهازيج المعبرة عن فرحتنا بالأمطار التي كانت تغير عاداتنا وتقاليدنا.
لكن منذ عامين، أي منذ كارثة شرق جدة، تبدلت الأحوال وأصبحنا نستقبل موسم الأمطار بشيء من الخوف والامتعاض، فالأمطار التي كانت تنقر الأرض وترسل موسيقى الأصوات الخافتة قد تتحول إلى سيول جارفة تفترس الأخضر واليابس، بل قد تتحول إلى كارثة تدمر البيوت والطرقات وتزهق الأرواح والنفوس.
منذ شهر خلا حذر المرصد الياباني من مغبة أمطار كثيفة ستدهم مدينة جدة في خريف هذا العام.
وفي اليوم التالي من بيانات المرصد الياباني رد المرصد السعودي على تقارير المرصد الياباني وصادق عليها بتحفظ؛ وقال إن ما نشره المرصد الياباني يمكن أن يكون صحيحا وتتعرض منطقة مكة المكرمة وبالذات مدينة جدة لهطول أمطار غزيرة لم يسبق لها مثيل في السنوات الغابرة.
لكن الأخ حسين القحطاني المتحدث باسم الرئاسة العامة للأرصاد وحماية البيئة تحفظ على تقرير المرصد الياباني وقال إن المسافة بين تاريخ نشر تقرير المرصد الياباني وتاريخ هطول الأمطار الغزيرة طويلة ولا تسمح بوضع تخمينات موضوعية.
ومع تقديرنا للكلام الذي قاله أخونا حسين القحطاني إلا أننا يجب أن نعطي توقعات المرصد الياباني شيئا كبيرا من اهتمامنا، وإلا فإن الثمن الذي سندفعه نتيجة لتهاوننا – لا سمح الله ــ سيكون غاليا ومكلفا.
إذن المطلوب أن نعد من الآن العدة ونصمم خططا لدرء المخاطر حتى تكون الأضرار في أدنى درجاتها؛ يجب أن تتحرك فورا جهات عدة لوضع خطط درء المخاطر وأول هذه الجهات مديرية الدفاع المدني؛ وثاني هذه الجهات أمانة مدينة جدة؛ ثم ثالث هذه الجهات وزارة المياه والكهرباء المسؤولة عن مشاريع الصرف الصحي ومشاريع تصريف مياه السيول والأمطار.
ونعود ونكرر أن المعاناة من الإخفاق في تنفيذ مشاريع البنى التحتية في مدينة جدة ستتجدد في كل عام مع عودة غول الكوارث الطبيعية، وكان المفروض ألا تفزعنا هذه الظواهر الطبيعية التي يفترض أن تكون طبيعية وتمر دون ضحايا كما تمر في آلاف المدن المنتشرة في كل أنحاء العالم.
كيف نفهم أن مشروعاً للمجاري بدأ العمل فيه قبل 54 سنة وأنفقت الدولة عليه أموالاً طائلة، ومع ذلك لا توجد حتى اليوم شبكة للمجاري في مدينة أصبحت تتهددها بقوة كل جراثيم مياه المجاري التي باتت تتسلل من البيارات المنتشرة في كل أنحاء المدينة الناعسة البائسة.
إن مشاريع شبكة الصرف الصحة في مدينة جدة لها روايات مريرة وقصص مثيرة بدأت منذ أكثر من 55 عاماً، وما زال المشروع لم ينته ويبدو أنه لن ينتهي!
في عام 1960 رّست الحكومة أول مشروع للصرف الصحي في تاريخ مدينة جدة على الشركة الألمانية (إياها!) وهي شركة أصبحت معروفة عند جميع أجيال أهالي جدة، لأنها ما زالت حتى الآن تأخذ قطعة من كيكة المناقصات وتنام عليها كما تنام السلحفاة على روثها.
كنا قبل نصف قرن نسكن وسط البلد، وكانت الشركة تدق الأرض في أزقة جدة بمعولها المزعج من الصباح حتى تباريح المساء، ويومذاك أمرت الشركة الألمانية (التي كانت تضرب الأرض بقسوة) سكان جدة بأن يلغوا نوم القيلولة.
وكان السكان راضين بما أملته الشركة عليهم طالما أن النهاية هي الانتهاء من بناء شبكة الصرف الصحي وإلغاء نظام ''الدبولة'' الذي كان أحد أبشع ملوثات البيئة في نظام البناء التقليدي القديم.
وحينما بدأ تنفيذ مشروع شبكة الصرف الصحي في عام 1960 قيل لنا إننا سنبقى على هذا الحال ثلاث سنوات، لكن بعد ذلك ستنعم جدة بشبكة صرف صحي مدى الحياة.
ومرت سنة وثانية وثالثة، ثم كرت السنوات حتى تجاوزت العشر، وفجأة توقف المشروع واختفى من ساحة مشاريع جدة، وبعد سنوات ظهر المشروع مرة أخرى واستكمل حتى غطى نحو8 في المائة من مساحة جدة البالغة يومذاك 900 كيلو متر مربع.
وحينما انقضت 20 عاماً على المشروع فوجئنا بتصريح صحافي لوزير الشؤون البلدية والقروية يقول إن الدولة تفكر جدياً في إلغاء ما تم تنفيذه وإعادة دراسة المشروع لأن ُقطر مواسير الشبكة التي تم تنفيذها 25 سم، وهذا غير كاف لأن المدينة تنمو بشكل دراماتيكي وإن الوزارة بصدد وضع دراسة جديدة ومشاريع جديدة للصرف الصحي.
بمعنى أن العشرين سنة من عمر المشروع ذهبت وانقضت دون فائدة تذكر، وأن الأموال التي صرفت لتذهب إلى الجحيم، وأن الوقت قد حان لنبدأ من جديد وكأننا يا بدر لا رحنا ولا جينا!.
وخلال السنوات العشر التي تلت العشرين الأولى كانت مصلحة المجاري تنفذ شبكة كبيرة من مواسير الصرف على الطرقات الرئيسة، اتضح أنها ــ وفقاً لما عرضه المهندس زكي الفارسي أمام الأمير نايف في الاجتماع الشهير الذي عقد في مقر غرفة جدة ــ مشروع فقط لتخفيض منسوب مياه المجاري الناتجة من البيارات القابعة تحت مباني المدينة، وكانت – مع الأسف - تصب في البحر مباشرة دون أي معالجة، ما يعني تدمير البيئة البحرية وتلويث الأسماك التي يتغذى منها الناس.
إن الظاهرة العامة المؤسفة في شوارع جدة اليوم هي ''وايتات'' تحمل مياه المجاري، و''وايتات'' أخرى تحمل مياه الشرب، وتنفث هذه الوايتات أخطار العادم في كل أنحاء المدينة الناعسة البائسة.
إن القضية الأهم في هذه القضية هي: لماذا استشرى هذا الفساد وبلغ هذا المستوى من الفحولة وتسلل إلى كل تقاطيع أمانة مدينة جدة ومصلحة المياه والمجاري حتى بلغ درجة الكارثة؟ وهنا أقف ملياً وأعود لأتساءل: أين الجهات الرقابية المسؤولة عن تطبيق مبادئ الحوكمة ونشر مبادئ الشفافية والنزاهة والمساءلة في جميع أوصال المؤسسات الحكومية؟ ولماذا لم ترشد وتنبه إلى بؤر الفساد في هذه المؤسسات وفي غيرها من مؤسسات الحكومة؟ ولماذا لم تبادر وتقطع دمامل الفساد رغم أن أمراض هذه الأجهزة الإدارية كانت مسموعة في كل مكان حتى رجل الشارع البسيط يعرف أسارير الرشا والغش والتدليس في هذه الأجهزة؟ وأتساءل: لماذا أصبح الجميع يتعامل مع الفساد وكأنه القاعدة بينما النزاهة والمسؤولية وكأنها الاستثناء؟!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي