سوق المساكن في السعودية ليس سوق مشترين
استعرضنا في الأسبوع الماضي قضية فرض ضرائب على الأرض الفضاء في المملكة، باعتبارها أحد المقترحات الساعية إلى الضغط على ملاك الأراضي لتحريرها وعرضها للبيع، وذلك تحت ضغط الضريبة السنوية المفروضة على الأرض الفضاء المعدة لأغراض السكن، والواقع أن التفكير في اللجوء إلى مثل هذا الإجراء غير التقليدي، في المملكة، إنما يعكس خروج أسعار الأرض عن النطاق المعقول لها بحيث أصبحت تؤثر في تكلفة الحصول على المسكن شراء أو إيجارا، وقد استعرضنا في الجمعة الماضية متوسط أسعار الأراضي في المملكة ومعدلات النمو في سعر المتر في مختلف المناطق، وتوصلنا إلى أن معدلات النمو في أسعار الأراضي تعد مرتفعة بشكل عام، وتساءلنا عن أثر استمرار هذه الأوضاع على المواطن السعودي وقدرته على تملك المساكن، والقدرة الفعلية للمواطن على تملك المسكن مقارنة بباقي دول العالم؟
من المؤكد أنه في ظل هذه الظروف، حيث ترتفع أسعار العقارات على نحو كبير يظل يسأل الفرد نفسه دائما، هل أشتري المسكن أم أؤجره؟، وهو سؤال كثيرا ما يشغل بال الكثيرين الذين دائما ما يطلبون النصيحة والمساعدة في اتخاذ هذا القرار الحرج. فمما لا شك فيه أن حلم شراء وتملك المسكن هو حلم يراود الملايين ممن يسعون للحصول على هذا الأصل الحيوي لحياة الإنسان باعتباره أحد أهم الأصول التي تملكها الأسرة، لما لتملك المسكن من منافع عديدة، ولذلك يظل حلم تملك المسكن أهم الأحلام التي تراود الإنسان، التي يصعب أن ينفك الفرد عن أن يتعلق بها، ولتملك المساكن مزايا عديدة على المستوى الشخصي والأسري والمجتمعي.
في مقال اليوم أستعرض أحد المؤشرات المهمة في تقييم قرار الفرد بالشراء أو الاستئجار، استنادا إلى معدل سعر المسكن إلى إيجاره السنوي Price/rent ratio، لكي نحدد درجة ارتفاع أسعار المساكن أو انخفاضها، ومن ثم الحكم على ماذا كان يجب على الفرد في المملكة الشراء أم الاستئجار.
مثلما هو الحال بالنسبة للأسهم، حيث يقاس مضاعف سعر السهم بالنسبة لعائده لحساب القيمة النسبية له، فإن المساكن لها أيضا مؤشر مضاعف السعر إلى الإيجار السنوي لحساب قيمتها النسبية، حيث ينظر إلى الإيجار على أنه الدخل أو العوائد الكامنة التي يمكن أن تترتب على الاستثمار في المسكن، وبما أن مالكي الأسهم يفضلون دائما الحصول على معدل مرتفع للعائد على السهم، فإن مالكي المساكن يفضلون الشيء نفسه أيضا. من ناحية أخرى، فإن معدل سعر المسكن إلى إيجاره السنوي يعد من المؤشرات التي يحكم من خلالها على ما إذا كانت أسعار المساكن ترتفع أم تنخفض، كما يقدم دلائل على ما إذا كانت أسعار المساكن منتفخة أم لا، تماما مثل سعر السهم إلى عائده، الذي يستخدم للحكم على ما إذا كانت الأسهم مقومة بأعلى من قيمته الحقيقية أم لا، وبالنسبة لمضاعف سعر المسكن إلى إيجاره، فإنه يمثل أداة تساعد على الاختيار بين ما إذا كان من الأفضل شراء المسكن أم تأجيره.
الجدول رقم (1) يلخص أسعار المساكن في مختلف مناطق المملكة العربية السعودية للشقق السكنية التي تراوح مساحاتها بين 135 مترا و190 مترا، والفلل السكنية التي تراوح مساحاتها بين 400 متر و700 مترا وإيجارات هذه المساكن السنوية بالألف ريال سعودي، ووفقا للجدول يتضح أن أسعار الشقق السكنية في المملكة تراوحت خلال الفترة ما بين النصف الثاني من عام 2008 والنصف الأول من عام 2011 ما بين 290 ألف ريال في مدينة الدمام إلى 783 ألف ريال في شمال مدينة جدة. أما إيجارات هذه الشقق السنوية فقد تراوحت بين 21 ألف ريال في مدينتي الدمام والظهران إلى 50 ألف ريال شمال مدينة جدة.
أما بالنسبة للفلل السكنية التي تراوح مساحاتها بين 400 و700 متر فقد تراوحت أسعارها خلال نفس الفترة بين 792 ألف ريال في جنوب مدينة الرياض حتى ثلاثة ملايين و600 ألف ريال في شمال مدينة جدة، من ناحية أخرى فقد تراوحت إيجاراتها السنوية خلال الفترة بين 39 ألف ريال في مدينة الدمام إلى 128 ألفا في شمال مدينة جدة.
وباستخدام هذه البيانات يمكن حساب مضاعف سعر المسكن بالنسبة لإيجاره السنوي في المملكة، ويوضح الجدول رقم (2) حسابات مضاعف أسعار المساكن إلى إيجاراتها السنوية في مختلف مناطق المملكة، سواء بالنسبة للشقق أو الفيلات، وحسب أفضل المعلومات المتاحة لي، فإن الحسابات المعروضة في هذا الجدول لم تحسب أو تنشر من قبل في المملكة. ووفقا للنتائج المعروضة في الجدول رقم (2)، فإن مؤشر مضاعف سعر المسكن إلى إيجاره السنوي يراوح بين 12.2 بالنسبة للشقق السكنية جنوب مدينة الرياض و18 وسط مدينة جدة. أما بالنسبة للفلل السكنية فقد تراوح هذا المؤشر بين 13.6 جنوب مدينة جدة و38.7 شمال مدينة الرياض.
والآن كيف نستخدم هذه المؤشرات المعروضة في الجدول، لقد جرى العرف على اعتبار أنه إذا كان مضاعف سعر المسكن إلى إيجاره السنوي يراوح بين 1 و15 ضعفا، فإنه يكون من الأرخص للمستأجر أن يشتري هذا المسكن بدلا من أن يؤجره، لأن ذلك سوف يكون أوفر بالنسبة له من الناحية الاقتصادية على المدى الطويل.
أما إذا كان مضاعف سعر المسكن بالنسبة لإيجاره السنوي يراوح بين 16 و20 ضعفا، فإن ذلك يعني أن شراء المسكن يعتبر أمرا مكلفا بالنسبة لتأجير هذا المسكن، ومع ذلك فربما يكون قرار الشراء أفضل من قرار الاستئجار أخذا في الاعتبار العوامل الشخصية المرتبطة بالإقامة في مسكن مملوك، فضلا عن العوائد الأخرى التي تتحقق على المدى الطويل.
أما إذا كان سعر المسكن بالنسبة لإيجاره السنوي أكثر من 20 ضعفا، فإن ذلك يعني أن المساكن مقيمة بأسعار مرتفعة جدا، وأنه من الأفضل بالنسبة للفرد التأجير بدلا من الشراء لثقل التكلفة المالية التي ستقع عليه من جراء عملية شراء مثل هذا المسكن. في مثل هذا الوضع يكون من الأفضل للفرد التأجير باعتبار أن سعر المسكن يعد عاملا مانعا لاتخاذ القرار بالشراء، بصفة خاصة إذا ما كانت فرص الحصول على التمويل صعبة أو مكلفة، وبالعودة إلى الجدول رقم (2) مرة أخرى يتضح لنا أنه يفضل بالنسبة للأفراد الذين يرغبون في شراء مسكن أن يتجهون إلى تملك الشقق، حيث يميل مضاعف سعر الشقة إلى إيجارها السنوي إلى أن يكون أقل من 15 في عدد كبير من مناطق المملكة، وأقل من 20 في معظم هذه المناطق، بينما لم يتجاوز مضاعف سعر الشقق إلى إيجارها السنوي مؤشر 21.
أما بالنسبة لمضاعف سعر الفلل لإيجاراتها السنوية، فإن الجدول رقم (2) فيشير إلى أنه فيما عدا مناطق غرب وجنوب مدينة الرياض وجنوب مدينة جدة، فإن مضاعف سعر الفلل السكنية يتجاوز حاجز الـ 21 بصورة كبيرة، وهو ما يشير إلى أن أسعار الفلل السكنية في المملكة متضخمة على نحو كبير، وأنه من الناحية الاقتصادية لا يفضل تملك هذه النوعية من المساكن، وإنما استئجارها، حيث يصبح استئجار تلك المساكن أرخص تكلفة من امتلاكها، وذلك لانتفاخ أسعارها السوقية.
بقي أن أشير إلى أنه بما أن هذه الحسابات هي متوسطات لمضاعف سعر المسكن بالنسبة لإيجاره السنوي فإنها تخفي فروقا كبيرة بين المناطق المختلفة للمملكة، ومن ثم فإن الأمر يعتمد في النهاية على السعر الحقيقي للمسكن وإيجاره في المنطقة، فقد تختلف الأسعار والإيجارات بصورة كبيرة جدا بين المناطق المختلفة في المدينة الواحدة، استنادا إلى تصنيف المنطقة وطبيعة من يسكنون فيها ومدى قربها أو بعدها عن مركز المدينة.. إلخ. غير أن الخلاصة التي يمكن التوصل إليها هي أن هناك فقاعة سعرية في أسعار المساكن التي تأخذ صورة الفلل وأن سوق هذا النوع من المساكن ليس سوق مشترين، وإنما سوق بائعين، حيث تكثر أعداد المشترين وترتفع الأسعار بصورة واضحة.
في الأسبوع القادم، إن أحيانا الله- سبحانه وتعالى- أتناول الموضوع من زاوية أخرى، وهي سهولة الحصول على مسكن في المملكة، مقارنة بباقي الدول، سواء في المنطقة أو في باقي دول العالم.