التعامل مع البطالة يستوجب النظر لها كنشاط وليس مشكلة اجتماعية فقط
أكد المهندس محمد عبد اللطيف جميل رئيس مبادرات عبد اللطيف جميل الاجتماعية، أن أي مجتمع يسعى للقضاء على ظاهرة البطالة يستوجب عليه النظر لهذه الظاهرة كنشاط في حد ذاتها، وألا يتعامل معها كمشكلة اجتماعية وحسب تتحملها الدولة فقط، وأن يلعب القطاع الخاص دوراً رائداً في تطبيق هذا الحل وهو تحويل هدف التخلص من البطالة إلى مشكلة خاصة بالشركة تتطلب إيجاد حل لها.
جاء ذلك في كلمة ألقاها بمناسبة حصوله على درجة الدكتوراه الفخرية من جامعة صوفيا اليابانية، وذلك لجهوده المتخصصة في مجال خلق فرص العمل في المملكة والعالم العربي، وفي مقدمتها (باب رزق جميل). حيث منح رئيس الجامعة تاداشي تاكيزاوا، والمستشار توشياكي كوسو، وعميد الدراسات العليا داشيرو نوميا، المهندس محمد جميل درجة الدكتوراه في حفل تكريم أعد خصيصاً بهذه المناسبة في جامعة صوفيا في العاصمة اليابانية طوكيو، بحضور سفير خادم الحرمين الشريفين السفير الدكتور عبد العزيز تركستاني، وأعضاء هيئة التدريس وطلاب الجامعة.
وأعرب جميل عن شكر لرئيس الجامعة ومستشارها، إضافة إلى عميد الدراسات العليا، معبرا عن سعادته كونه أول عربي يحصل على هذا التكريم.
وأشار إلى أنه قضى عامين يدرس في هذه الجامعة العريقة وقد كانت تجربة جميلة بالنسبة له، إذ إن جامعة صوفيا هي من الجامعات التي تتلخص قيمها الرائدة في عبارة (من أجل الآخرين، مع الآخرين).
وحدد جميل في كلمته ستة أسس من وجه نظرة ستسهم في بناء شركة لتقليل ظاهرة البطالة في أي مجتمع، تتمثل في أن تعمل على المستوى المحلي - في قرية أو بلدة أو قطاع من مدينة، بعد ذلك مساعدة الأفراد الذين يعيشون هناك دون عمل على معرفة نوع الوظيفة التي تناسب رغباتهم واحتياجاتهم بالفعل، وفي الوقت نفسه تستكشف الشركات المحلية لمعرفة المهارات التي لديها نقص فيها إلى درجة تمنعها من التوسع، ليتم بعد ذلك العمل على التوفيق بين الطلب المحلي والإمداد المحلي بما فيه مصلحة جميع الأطراف في المجتمع المحلي.
ولتحقيق ذلك - والحديث لا يزال للمهندس محمد جميل - يمكن تأسيس شبكة محلية للتوصيل - عبر الإنترنت ومكتب فعلي كذلك - يعمل بها موظفون متخصصون في تنظيم وإدارة المشاريع ليتمكنوا من تدريب الباحثين عن وظائف على العمل، على أن يكون التدريب مخصصاً لوظائف محددة تتوفر عند نهاية هذه العملية، تحت مسمى "التدريب المنتهي بالتوظيف". وتابع: كذلك تمكين العاطل عن العمل من خلال منحه قروض ميسرة (ليست ربوية ترهق كاهله)، على أن يتم استعادة تكلفة هذه القروض حينما يصبح المرشح للعمل "منتجاً"، مع التأكيد بأن هذا النشاط هو مشروع خاص، ولذلك فإنه يتم محاسبة المسؤولين والمديرين بهذا النشاط عن النتائج التي نتوقع أن يحققوها ونقوم بتحفيز من يقدمون أداءً متميزاً.
وقال "عند نهاية هذه الدورة التطويرية المتكاملة، فإننا نوفر التوظيف بأسلوب البداية الذاتية والاستدامة الذاتية في الوقت نفسه، وذلك لأننا نعمل على المستوى الميداني ونطابق ما بين احتياجات الأفراد والاحتياجات الفعلية للشركات، ونوفر التدريب اللازم لإنجاح العملية، ويجب أن تضع في ذهنك أن أي نشاط يقوم على توفر العمالة المناسبة وكذلك على توفر التمويل، وإذا غاب أحد هذين العنصرين فإنك لن تتمكن من إحداث نمو اقتصادي".
وفي سياق الحديث عن تجربة (باب رزق جميل)، أوضح المهندس محمد جميل أن هناك مئات الملايين حول العالم يبحثون عن عمل ولا يجدونه وهذا في معظم الأحيان ليس بسبب خطأ ارتكبوه، وحتى نقضي على هذا الداء المتعلق بالبطالة فيجب أن ننظر إلى إيجاد حل عملي إداري مشابه للحلول الإدارية التي نتبعها لعلاج أي مشكلة في منظومة تجارية، كما يجب أن يلعب القطاع الخاص دوراً رئيسياً في هذا الحل، ويتم معالجة الأمر برؤية تجارية وليست مشكلة اجتماعية تتحملها الدولة فقط.
وأوضح أن كل رئيس تنفيذي أمامه وظيفتان رئيسيتان وليس وظيفة واحدة، الأولى هي الاستمرار في قيادة شركته وضمان تحقيقها للأرباح بشكل مستدام، والثانية هي مساعدة المجتمع الذي يعمل فيه ليتمكنوا من مساعدة أنفسهم على نحو مستدام. وقال "هذه الرؤية التي سعينا لتطبيقها في الشركة، فقد تعلمت من والدي - رحمه الله - وشركة تويوتا أمرين مهمين، فقد قال لي والدي (لا تنسى على الإطلاق أن الحياة لا تتعلق بك وحسب، وإنما بما يمكنك أن تقدمه للآخرين)، أما تويوتا فقد علمتني ليس فقط الاحترام للجميع بل وكيفية التحسين المستمر في طريقة أداء الأعمال وما يمكن إنجازه".
وشرح المهندس جميل حجم البطالة في العالم العربي، مشيراً إلى أن عدم مواجهة هذا الداء وإيجاد العلاج المناسب له سيفاقم من حجم المشكلة مما قد يصل بعدد العاطلين خلال السنوات القليلة المقبلة إلى 50 مليون عاطل.
كما تحدث عن بدايات (باب رزق جميل) والأسس التي وضعت لانطلاقه من خلال برنامج (التدريب المنتهي بالتوظيف) وكذلك برنامج دعم المشاريع الصغيرة، وبرنامج تمليك سيارات الأجرة العامة وتمليك سيارات النقل، إضافة إلى برنامج (التوظيف المباشر). كما أكد أهمية العمل الميداني وأن يتم مطابقة ما تحتاج إليه الشركات مع ما يتم تدريب الأفراد عليه، وقد كانت البداية من خلال (باب رزق جميل) بإطار صغير جداً وهو توفير عشر فرص عمل أواخر عام 2002، ثم تم تطوير المستهدف إلى 500 فرصة عمل ثم آلاف، حتى حققنا في العام الماضي وحده فقط أكثر من 45 ألف فرصة عمل. وتابع: انتقلنا بعد ذلك إلى دول أخرى مثل مصر وسورية وتركيا والمغرب، وقريباً الجزائر ولبنان، كما ندرس فتح فرع في المناطق الفقيرة في لندن.
وفي ختام الكلمة، أكد المهندس محمد جميل لطلاب جامعة صوفيا أن الدرس الذي استفاد منه في هذه التجربة هو أنك عندما تنطلق في رحلة استكشاف فإنك لا تدري إلى أين ستأخذك، وعلى أي حال فإن هذا ليس سبباً لعدم خوض هذه الرحلة، وحينما يواجهكم المشككون يمكنكم أن تجدوا الدعم والتشجيع من كلمات جب بي شو حينما قال "أنتم ترون أشياء وتقولون لماذا؟ ولكنني أحلم بأشياء غير موجودة، وأقول لم لا؟". يذكر أن المهندس محمد عبد اللطيف جميل نال شهادة البكالوريوس من جامعة MIT في أمريكا في مجال الهندسة المدنية، وتلقى تعليمه الجامعي في جامعة صوفيا في اليابان وذلك في مجال إدارة الأعمال والرياضيات.