رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


المجالس النيابية .. مشاركة المرأة وأكثر

قرار مشاركة المرأة في مجلس الشورى والمجالس البلدية يأتي منسجما مع حالة النضج السياسي والثقافي للمجتمع السعودي وحركة التطوير التي يقودها خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله حفظه الله على جميع الصعد، وهي أيضا تجسد توسيع المشاركة الشعبية وتحقيق التمثيل المتوازن لجميع مكونات المجتمع الذي يفترض أن يقود في نهاية المطاف إلى تقريب صانع القرار للمواطن. ولا شك أن المرأة السعودية قطعت شوطا كبيرا في تطوير نفسها علما وخبرة وثقافة وثقة، ولذا يجب أن تكون النظرة لمشاركة المرأة نظرة موضوعية مهنية في أنها تمتلك من المميزات الفكرية والرؤى ما يجعلها تضيف إلى تلك المجالس وتسهم في طرح الحلول والمقترحات والمبادرات حول قضايا اجتماعية وأسرية لم يتم التطرق إليها تكون هي فيها الأكثر قدرة على فهمها واستيعابها ونقلها والدفاع عنها وتسليط الضوء عليها بحكم أدوارها المتعددة ومسؤولياتها الكبيرة والواسعة في الأسرة والشأن الاجتماعي. ولذا كان من الضروري على المجتمع الاعتراف بأهمية مساهمة المرأة كشخص في إدارة المجتمع، فهي تمتلك الإمكانات والقدرات وربما تفوقت على زميلها الرجل في العديد من المجالات. وعليه يجب إن تكون هناك قناعة تامة لدى جميع فئات المجتمع بإن مشاركة المرأة ليست مجاملة شكلية للاستهلاك الإعلامي أو تقليد للآخرين وإنما ضرورة اجتماعية للاستفادة من الخبرات المعطلة في الإسهام في جهود التنمية وتوجيه المجتمع والارتقاء به إلى مستويات أعلى من التحضر.
يجب الاعتراف بأن المرأة السعودية حققت نجاحات كبيرة في شؤون حياتية شتى وأثبتت تفوقها في الدراسة ومكان العمل والواقع يشهد بذلك ولا ينكره إلا جاحد متخلف لم يتأدب بآداب الإسلام العظيمة، أو منغلق التفكير ما زال يرى المرأة مخلوقا أقل من أن يحترم وينظر إليها نظرة دونية! مع أنها في حالات كثيرة هي أكثر عطاء وصبرا ومجاهدة وحرصا على تحقيق الأفضل والتميز، ولمن لديه شك في ذلك فليلقي نظرة على نتائج الطلاب والطالبات في جميع المراحل التعليمية، وحينها سيعلم أن المرأة نموذج للمواطن الصالح الذي يلتزم قيم الإنتاجية واحترام الوقت والقانون، وهي أكثر انضباطية وحرصا على أداء المهام الموكلة إليها. أقول هذا من واقع تجربة طويلة في التعليم العالي وجدت فيها أن الطالبات يفقن في كثير من الأحيان زملائهن الطلاب جدية وطموحا وحرصا على تحقيق معايير عالية من الأداء. وربما كان هذا التفوق ملحوظا لصالح البنات على حساب الأولاد في كثير من الأسر. والشواهد على تفوق المرأة في كثير من المجالات واضح ومحسوس لا يمكن إنكاره، فما تقوم به من أدوار عظيمة في رعاية وإدارة أسرتها أمر يستحق الإشادة، هذا إضافة إلى أنها استطاعت أن تتجاوز الكثير من التحديات والصعوبات وتسجل قفزات كبيرة في مجال العمل والبحث العلمي وخدمة المجتمع وصولا للعالمية. وهناك الكثير من النساء العصاميات اللاتي تحملن بمفردهن مسؤولية أسرهن وتكفلن بتدبير شؤونها الاقتصادية على الرغم من وجود الرجل الملزم شرعا بالنفقة على أسرته.
الحديث عن تفوق المرأة وما تحقق لها من نجاحات هو من باب بيان فضلها وأهمية دورها والشهادة بما حققته وما تقدمه لمجتمعها. ومع ذلك يكون من الخطأ الإغراق في المقارنة بين الرجل والمرأة لأنه يأخذنا إلى منحى شخصي وتصور ضيق يختزل المرأة في جنسها ويوسع الهوة بين الرجل والمرأة تنافسا وتضادا وليس تكاملا وانسجاما كما ينبغي. وهو أمر يعطل جهود التنمية التي تتطلب توظيف جميع طاقات المجتمع دون استثناء ليكون التمييز بين الأفراد على أساس الجدارة وما يملكونه من قدرات بغض النظر عن الجنس. كما أن المجالس النيابية في جوهرها تهدف لتمثيل جميع شرائح المجتمع ومكوناته وهذا ما يضفي على مشاركة المرأة وعلى وجه التحديد في مجلس الشورى أهمية خاصة، إذ إنها تعني فتح ملفات ظلت مغلقة لا أحد يقترب منها لتكون نسيا منسيا مع أنها في غاية الأهمية تتعلق بالترابط الاجتماعي وحفظ الحقوق الخاصة بالمرأة والطفل. فالمرأة والطفل ما زالا الحلقة الأضعف في التكوين الاجتماعي وإلى الآن لم ترتق التنظيمات إلى احتواء مشاكلهما وإيجاد حلول ناجعة لتلك الأوضاع التي يقع فيها ظلم كبير وإجحاف في حقوقهما الاقتصادية والاجتماعية كما في حالات الطلاق والورث والزواج والحضانة والمعاملات التجارية والحكومية وغيرها.
قد لا يكون من المبالغة القول إن مشاركة المرأة في المجالس ستكون البوابة التي سيلج المجتمع من خلالها إلى ثقافة جديدة، ثقافة تحترم المرأة كشخص له فكر ورؤية ومشاعر كما أراد لها الشارع الحكيم. ولكن ثمة شرط أساس في تحقيق التأثير المأمول وهو أن تتم ترقية دور المجالس وإعادة النظر في صلاحياتها لتتناسب مع مسؤولياتها وتمنحها القدرة على حل المشكلات وتقديم مبادرات وفقا لما يأمله المواطنون ويتطلعون لتحقيقه. ولذا على الرغم من أهمية قرار السماح للمرأة بالمشاركة وما يحققه من تمثيل عادل، إلا أن الأولوية في هذه المرحلة الحرجة هو في منح صلاحيات أكبر للمجالس لتكون أكثر فاعلية وتؤدي الأدوار المطلوبة منها وتتجاوز مرحلة العمل الاستشاري والإجراءات البيروقراطية الشكلية. إن الهدف الأساس من هذه المجالس النيابية هو استشفاف الرأي العام والعمل على تضمينه أولويات العمل الحكومي وإنفاذه من خلال إصدار تشريعات وتبني سياسات وإقرار مشروعات ومتابعتها ومحاسبة من يقصر في ذلك. هكذا يمكن تقريب المواطن لصانع القرار وحينها فقط يكون القرار الحكومي أكثر كفاءة وفاعلية واستجابة. إن تمكين المجالس أولوية وطنية ترتبط بأمنه واستقراره وتعزز لحمة المواطنين بقيادتهم، عبر عمل مؤسسي واضح المعالم يضمن حرية التعبير والشفافية والنزاهة والمحاسبة. لا يمكن التوقف كثيرا عند مرحلة إنشاء المجالس كإنجاز يستحق الإشادة بلا شك ، لكن من الضروري المضي قدما في تطويرها ومنحها الاستقلال الإداري والمالي وتمكينها من إصدار التشريعات والسياسات ومراقبة تنفيذها وتقييم النتائج . وهذا يتطلب قرارا حكيما وجريئا ومبادرة شجاعة كما جاء قرار مشاركة المرأة في المجالس ليكون هو الآخر نقطة تحول تاريخية في مسيرة الدولة السعودية الخيرة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي