صناعة النفط البرازيلية تمر بتحولات جذرية

على طول أكثر من 280 كيلومترا قبالة السواحل البرازيلية، تحت بضعة كيلومترات من الماء وطبقات الصخور والملح، تقبع مليارات البراميل من النفط الخام الخفيف، وقد وصفت هذه الاستكشافات بأنها أكبر اكتشاف للنفط في نصف الكرة الغربي منذ أكثر من عقدين من الزمن، هذه الاستكشافات لها القدرة على جعل البرازيل واحدة من أهم مناطق العالم من ناحية نمو الاحتياطيات والإمدادات النفطية على المدى الطويل.
في الوقت الحاضر احتياطيات النفط الضخمة البرازيلية في المياه العميقة تدعم نمو الإمدادات النفطية من خارج دول منظمة أوبك. حيث تخطط شركة بتروبراس البرازيلية إلى زيادة إنتاج النفط إلى أكثر من 3.0 ملايين برميل يوميا بحلول عام 2015، أي بزيادة تقدر بنحو مليون برميل يوميا على مدى السنوات الأربع المقبلة. لقد ارتفع إنتاج النفط البرازيلي أكثر من 100 ألف برميل يوميا في عام 2010، من المتوقع أن يرتفع بنحو 200 ألف برميل يوميا هذا العام، حيث إن خمسة مشاريع عملاقة جديدة بطاقة إجمالية تقرب من 0.6 مليون برميل يوميا من المقرر أن تبدأ في الإنتاج في هذا العام، ثلاثة منها قد بدأت بالفعل في الإنتاج. معظم هذه المشاريع سيستغرق عدة سنوات للوصول إلى كامل طاقته الإنتاجية. إضافة إلى ذلك تقوم شركة بتروبراس حاليا بإجراء اختبارات على ستة حقول نفطية في المياه العميقة تحت الطبقات الملحية. علما أنه في الوقت الحاضر، معظم إنتاج النفط البرازيلي، ينتج من المياه العميقة ومن مكامن فوق الطبقات الملحية، لكن الإنتاج التجريبي من حقل لولا النفطي، المتواجد في المياه العميقة تحت الطبقات الملحية والذي كان يعرف سابقا بحقل توبي، قد بدأ في تشرين الأول (أكتوبر) من العام الماضي، من المتوقع أن ينتج نحو 50 ألف برميل يوميا في هذا العام ومن المؤمل أن يصل إلى كامل طاقته التجريبية (100 ألف برميل يوميا) خلال العام المقبل.
إن الاستكشافات البترولية الجديدة تحت طبقات الملح Pre-Salt reservoirs تطرح السؤال التالي: هل يمكن للبرازيل أن تلعب في المستقبل دورا كبيرا كمنتج ومصدر رئيسي للنفط عالميا؟
ما هو واضح حتى الآن هو أن الأرقام الأولية والتقييم للاستكشافات البرازيلية الجديدة تحت طبقات الملح Pre-Salt reservoirs تدعم بصورة عامة الرد على هذا السؤال بصورة ايجابية. حتى الآن، كان هناك أكثر من عشرة اكتشافات جديدة في حوض سانتوس في الصخور تحت طبقات الملح. بالإضافة إلى ذلك هناك أيضا عدد من الاكتشافات الجديدة تحت طبقات الملح إلى الشمال من الحقول الحالية في حوض كامبوس، معظم هذه الاكتشافات هي كبيرة أيضا وتحوي نوعية جيدة من النفط الخام. على سبيل المثال، قدرت الاحتياطيات القابلة للاستخراج من توبي (لولا حاليا) بين خمسة وثمانية مليارات برميل من النفط الخام المتوسط الكثافة والمنخفض المحتوى الكبريتي.
هناك بالتأكيد الكثير من الأمور والمحفزات التي تشجع تطوير هذه الموارد بقيادة شركة بتروبراس البرازيلية، لكن من الواضح أيضا أنه لا تزال هناك العديد من التحديات المالية، والتقنية، البيئية والشروط والمحفزات التعاقدية.
منذ اكتشاف حقل توبي (لولا حاليا) العملاق تحت طبقات الملح في المياه العميقة البرازيلية من قبل شركة بتروبراس وشركة BG الإنجليزية في عام 2006، بدأت شركات النفط العالمية تنظر إلى البرازيل باعتبارها واحدة من مناطق العالم الواعدة بالموارد النفطية لاستثماراتها. لكن التفاؤل بشأن الاستثمار في حقل لولا والحقول العملاقة الأخرى القابعة تحت طبقات الملح بدأ في التلاشي بالنسبة للشركات النفط العالمية، إذ أصبح من الواضح أن الفرص الكبيرة ستكون مفتوحة بصورة عامة فقط لشركة بتروبراس البرازيلية.
في العام الماضي أقرت الحكومة البرازيلية مجموعة جديدة من القوانين الخاصة باستكشاف والتنقيب عن النفط في هذه الموارد الجديدة، هذه القوانين جعلت من شركة بتروبراس مسؤولة عن إدارة وتشغيل جميع المواقع الاستكشافية للموارد النفطية الجديدة تحت طبقات الملح التي لم تمنح التراخيص لها بعد، كما ألزمت هذه القوانين حصة لشركة بتروبراس لا تقل عن 30 في المائة في جميع المشاريع النفطية الجديدة تحت طبقات الملح، وحددت هذه القوانين سقف للنسب العليا لباقي الشركات. في الوقت نفسه، اتسم هذا العام بعدم اكتراث الحكومة الواضح في السياسة النفطية، حيث لم تمضي قدما بدورتي تراخيص كانتا مقررتين هذا العام وقامت بتأجيلهما إلى العام القادم.
في هذا السياق أيضا، في بداية شهر آب (أغسطس) الجاري أخبر الرئيس التنفيذي لشركة بتروبراس لجنة الشؤون الاقتصادية في مجلس الشيوخ أن دورة التراخيص الخاصة بالمشاريع الجديدة تحت طبقات الملح لن تتم هذا العام. في الوقت نفسه، تم تعليق جولة تراخيص أخرى، على الرغم من أنها لا تتضمن أي مشاريع تخص الموارد تحت طبقات الملح.
في هذا الجانب يشير عدد من المحللين إلى أن الحكومة تقوم بتأخير جولات التراخيص بصورة متعمدة بسبب المخاوف من أن يؤدي تدفق الاستثمارات النفطية الجديدة إلى ارتفاع معدلات التضخم، حيث أن معدل التضخم لهذا العام تجاوز 6.5 في المائة متجاوزا بذلك 4.5 في المائة المستهدفة من قبل البنك المركزي البرازيلي. في الوقت نفسه، تواجه شركات النفط في البرازيل ضغوط ارتفاع التكليف، حيث أدى زيادة نشاط الحفر الاستكشافي في الصخور تحت طبقات الملح إلى ارتفاع الطلب على المعدات والأيدي العاملة.
كما أن المتطلبات الجديدة التي تشترط توفير 65 في المائة من مستلزمات ومعدات الحفر لتطوير الموارد تحت طبقات الملح من الموردين المحليين قد فأقمت من الضغوط التصاعدية على تكاليف المشاريع النفطية. إن موارد المعدات النفطية في البرازيل محدودة، وتمتاز صناعة خدمات النفط الهندسية في البرازيل بوجود أعداد كبيرة من الموردين صغيري الحجم، وحتى أن البعض منهم هم عبارة عن شركات عائلية، هذه الشركات قد تحتاج إلى وقت طويل لزيادة طاقاتها الإنتاجية لتلبية الزيادة المتوقعة في الطلب من الموارد الجديدة. في هذا الجانب يرى الكثيرون أن تأخير جولات التراخيص سوف يعطي فرصة للموردين المحليين لتوسيع طاقتهم الإنتاجية قبل أن تأتي الطفرة الكبيرة في متطلبات معدات الحفر والخدمات الهندسية الأخرى اللازمة لتطوير الموارد تحت طبقات الملح.
بالفعل، كثيرون من المختصين في الصناعة النفطية يقولون بأن شركة بتروبراس عن غير قصد جعلت الأمور صعبة بالنسبة للشركات الصغيرة والمتوسطة، حتى في المواقع البعيدة عن المكامن تحت طبقات الملح. على سبيل المثال، واحدة من الشركات متوسطة الحجم العاملة في شمال البرازيل، توجب عليها استيراد معدات حفر من كندا لعدم توفرها في البرازيل. الوضع صعب بشكل خاص بالنسبة للشركات الصغيرة، حيث أنها غير قادرة على توقيع عقود طويلة الأجل مع موردين المعدات وأبراج الحفر. ذلك أن الموردين الرئيسيين مثل شركة هاليبرتون وشركة شلمبرجير يعطون الأولوية لشركة بتروبراس، في حين يعملون مع الشركات الصغيرة على مشاريع أنية فقط وعند توافر طاقات فقط.
شركات النفط العالمية التي كانت مهتمة بالمشاركة باستكشاف وتطوير الموارد النفطية تحت طبقات الملح، اكتشفوا أن فرصهم محدودة لأن الحكومة البرازيلية تتلكأ في الانفتاح على هذا القطاع.
بصورة عامة تعاني الصناعة النفطية في البرازيل ارتفاع الضرائب على العمليات النفطية، ارتفاع تكاليف المشاريع، ضعفا في البنية التحتية، الخدمات النفطية والهندسية المحلية محدودة، كما أن المنافسة من قبل شركة بتروبراس عززت الضغوط على أسعار معدات الحفر والخدمات الأخرى. كما أن المتطلبات الصعبة لتوفير مستلزمات ومعدات الحفر عن طريق الموردين المحليين يقلق الشركات أيضا، حيث إن حتى شركة بتروبراس اضطرت في بعض الأحيان إلى دفع غرامات. وليس من المتوقع أن تخفض الحكومة هذه المتطلبات، لكن الجهات التنظيمية قد تمنح بعض التسهيلات في هذا الجانب.
في الوقت الحاضر الإمدادات النفطية من المكامن النفطية تحت طبقات الملح محدودة لكن قد تبدأ قريبا بالارتفاع، شركة بتروبراس تخطط لإنتاج نحو 1.2 مليون برميل يوميا من هذه المصادر بحلول عام 2020. على الرغم من أن الجهات المختصة امتنعت عن إعطاء موعد محدد لإجراء جولات التراخيص الجديدة، إلا أن معظم المحللين يتوقعون أن جولات التراخيص التي تأخرت هذا العام سوف يتم إجراؤها في العام المقبل. كيف سوف يتم تطوير هذه المصادر لا يزال غير مؤكد بعد، لكن من الواضح أن صناعة النفط العالمية سوف تستمر في مراقبة التطورات في هذا الجانب باهتمام شديد، مع انتقال هذه الاكتشافات الجديدة الكبيرة من مراحل التقييم إلى مراحل التطوير والإنتاج.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي