في عام المعلم.. أهمية تعزيز فرص التطوير له
استهل الطلاب هذا العام الدراسي بالعناية بالمعلم، حيث قررت الوزارة تسمية هذا العام بعام المعلم، في إشارة إلى محور العملية التعليمية، وهو المعلم الذي يعد الركيزة الرئيسة في العملية التعليمية. وللمعلم مكانة عظيمة في تاريخنا وثقافتنا العربية والإسلامية، خصوصا أن نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - والأنبياء عموما يعدون تعليم الناس وتعريفهم بدينهم جزءا رئيسا من مسؤولياتهم التي أمرهم الله بها، حيث إنهم قدوة ومثال يحتذى في التربية والتعليم.
العملية التعليمية - كما هو معلوم - ترتكز على ثلاثة أمور، هي: المعلم المتعلم، والمنهج الدراسي، وحلقة الوصل الأساسية في نقل المعرفة إلى الطالب هو المعلم، ولذلك حظي المعلم بكثير من التقدير والاحترام في ثقافتنا، لأن التواضع له وحسن التعامل معه، من أهم الأمور التي لا بد أن يلتزم بها الطالب كي يحصل على أكبر قدر من العلم والمعرفة، وكنا نسمع كثيرا من آبائنا عن احترامهم الكبير لمعلميهم الذي ما زال باقيا اليوم في أي لقاء يجمعهم بهم.
في المراحل الأولى من التعليم ينظر الطالب إلى المعلم على أنه شخصية صادقة يثق بها ثقة لا حدود لها، فكل ما يتلقاه منه يعده صحيحا غير قابل للتشكيك، وهذا قد لا تجده حتى في الجامعات، التي يعتقد الطالب في كثير من الأحيان أن المعلم قد أخطأ فيما قدم من معلومة، وتجده في كثير من الأحيان يراجع الكتب والمصادر ليتأكد من صحة المعلومة التي قدمها المعلم الجامعي، وهذا ما يجعل الاهتمام بالمعلم في مراحل التعليم الأولى أمرا مهما ينعكس بشكل مباشر على الطالب، سواء في المعرفة أو القيم والأخلاق.
إذا ما نظرنا إلى المقارنة بين المعلم والمقرر الدراسي سنجد أن المعلم هو الأساس، والمقرر مجرد أداة مساعدة في العملية التعليمية، فهي في واقعها جماد يحتاج إلى من يجعل منها روحا تتحدث وتوضح، وذلك لا يتم إلا من خلال المعلم، فمهما حصل في المناهج من تطوير، حتى لو أخذنا المناهج التعليمية لأفضل مؤسسة تعليمية عالمية، فإن ذلك لن يكون له قيمة دون وجود المعلم المناسب الذي يستطيع أن يصيغ هذه المادة الجامدة إلى مادة تحدث من خلاله. هذا كله يؤكد أهمية تعزيز احترام الطالب للمعلم، إذ إن هذا من أهم الوسائل لتلقي المعرفة.
نحن نعلم أن المملكة اليوم تزخر بعدد كبير من المعلمين في مختلف المناطق، حيث لا تجد مدينة أو قرية أو ضاحية إلا ويكون من أولى الأولويات إيجاد مدرسة فيها، وتقديم التعليم بمختلف مراحله للطالب، حيث تصل أعداد المعلمين إلى مئات الألوف، هذا بلا شك يؤكد الاهتمام الحكومي الكبير بالتعليم، إذ إنه الأساس لكل القطاعات الأخرى، فنحن قد نتصور أن شخصا يمكن أن يكون لم يزر قط في حياته مستشفى ومركزا للشرطة أو دائرة حكومية ما، لكن لا يمكن أن نتخيل في الوضع الحالي أن هناك شخصا لا يكون قد مر وجلس وتعلم في المدرسة، لذلك فإن التعليم الجيد سينعكس إيجابا على كل القطاعات الحكومية والأهلية بل على الحياة اليومية للمجتمع.
لذلك في عملية تطوير العملية التعليمية لا بد أن تبدأ من المعلم قبل أي أمر آخر، وحيث إنه بلا شك من المهم التأكيد على احترام المعلم في هذا العام، إلا أنه من المهم أيضا التأكيد على توفير فرص التطوير المستمر للمعلم، إذ إن العملية التعليمية تتطور بشكل كبير في كل وقت، وكثير من المعلمين حاليا قد لا تتيسر لهم فرصة للتعلم بعد انتهائه من الجامعة ودخوله سلك التعليم، بل إنك لا تجد حتى دورة تدريبية تأهيلية تسبق العملية التعليمية تعرف المعلم بواقع العملية التعليمية، وكيفية المعاملة المناسبة مع الطالب، ومعلومات عن المناهج والمقررات، والطريقة المناسبة لتقديمها، والاطلاع على تجارب متميزة للأساتذة المتميزين في التعليم العام، إضافة إلى ما يستجد في العالم من طرق ومناهج للتدريس، فآخر عهد مجموعة لا يستهان بها من المعلمين بالمعرفة هو آخر يوم له في الجامعة.
ولا شك أن هذا العدد الكبير من المعلمين في المملكة لا يمكن الوصول لهم في يوم وليلة، فضلا عن تأهيلهم، لكن لا بد أن تكون هناك خطة قصيرة الأجل وخطة أخرى على المدى الطويل، وذلك من خلال بعض الخيارات منها: تدريب مدربين من الأساتذة المتميزين، وتوزيعهم في مختلف المناطق والمحافظات للوصول إلى عدد أكبر من المدرسين وتدريبهم في أوقات مناسبة، لمدة قد لا تتجاوز خمسة أيام بشكل جزئي في العام، وذلك لتعريفهم بأحدث وسائل التعليم بناء على المعطيات الموجودة، ومنها أيضا إقامة دورات خلال فترة الصيف والفترات التي تعد نوعا ما ليس فيها تدريس، مثل فترات ما بعد الاختبارات، وقبل بدء العام الدراسي، لإقامة وحضور دورات تقام في المناطق مع توفير الإقامة وحوافز للمتدربين، ومنها أيضا أن تكون هناك دورة تأهيلية للمعلمين بغرض تهيئتهم لهذا العمل، ومناقشة تساؤلاتهم واحتياجاتهم، إضافة إلى الأنظمة التي ترتبط بعملهم في هذه المهنة، وأخلاقيات العمل في مهنة التعليم.
من المهم أيضا ونظرا لتعدد وسائل الحصول على المعلومة وسهولتها، أن يكون هناك تحفيز للمعلمين لتعليم الطالب على كيفية الحصول على المعلومة الصحيحة وتوجيهه، وهذا في واقع الحال هو مستقبل العملية التعليمية بأن يكون المعلم موجها ومرشدا، وأن ينفتح الطالب على عالم كبير من المعرفة، إضافة إلى أهمية إقامة الملتقيات العلمية والدورية مثل المحاضرات والمؤتمرات وورش العمل لمناقشة قضايا التعليم ومستجداته واحتياجاته وتحدياته، وأن يكون هناك دعم من الوزارة للابتعاث وأبحاث مرتبطة بالعملية التعليمية في المملكة.
الخلاصة أن عام المعلم الذي نجد أنه من المهم أن يزرع في النشء المكانة المرموقة التي ينبغي أن تكون للمعلم في نفوسهم، لا بد أن يكون عاما للعناية بتوفير فرص التطوير والتعلم المستمر للمعلم بالمستجدات والمتغيرات في العملية التعليمية، وأن تكون هناك وسيلة تواصل نشطة بينه وبين الوزارة بغرض التطوير والتحسين ومعالجة العقبات وتلبية الاحتياجات.