العلاقة بين الصحافة والأجهزة الحكومية.. والمراحل الثلاث!
تحدثت الصحف خلال الأيام الماضية عن التوجيه الذي صدر للجهات الحكومية بالرد الفوري على ما ينافي الحقيقة في وسائل الإعلام.. وقد جاء ذلك بعدما (لوحظ كثرة ما ينشر في وسائل الإعلام من انتقادات للأجهزة الحكومية يتعدى بعضها حدود النقد البناء إلى التجريح والتشهير بقصد الإثارة الإعلامية بعيدا عن المصداقية والموضوعية ومن دون التحري عن صحة المعلومة).. وحيث إن ما يهمني ككاتب رأي يتناول قضايا الشأن العام هو الصحافة التي أكتب فيها فلا بأس أن أستعرض بعضاً مما بقي في الذاكرة حول المراحل التي مرت بها العلاقة بين الصحافة والأجهزة الحكومية.. حيث سادت أثناء صحافة الأفراد التي كان رئيس تحرير المطبوعة في الغالب هو مالكها هوامش عالية من حرية النشر والنقد للخدمات المقدمة من الأجهزة الحكومية حتى لقد وضعت إحدى الصحف آنذاك عنواناً في صفحتها الأولى يقول (جسر للموت يقيمه المقاول (فلان) وتقره الدولة) وكان ذلك نقداً لطريق متعرج ومنحدر تم تنفيذه في إحدى المناطق مما جعل الجريدة تتوقع حوادث خطيرة في هذا الطريق.. ولذا اعتبرته جسراً للموت!
وجاءت صحافة المؤسسات الصحفية التي يتم تعيين رئيس التحرير فيها بموافقة من وزارة الإعلام فانخفض هامش الحرية بشكل ملحوظ ليس بفعل تعليمات مقيدة في معظم الأحيان وإنما بحرص من رؤساء التحرير على تجنب كل ما يثير الإشكالات لهم.. ونمت خلال هذه المرحلة التجاوزات والإهمال وتأخير المشروعات والغش فيها وتدني مستوى الخدمات وظهرت نتائج ذلك الآن في كارثة سيول جدة وغيرها من المخالفات حيث فقدت الدولة خلال تلك السنوات الماضية عيناً أمينة تساعد على اكتشاف الأخطاء والتنبيه إلى المخالفات والتجاوزات.. ثم جاءت المرحلة الثالثة التي نعيشها الآن في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز حيث ارتفع سقف الحرية بشكل كبير لجميع وسائل الإعلام وبالذات الصحافة رغم أن نظام المؤسسات الصحفية ظل كما هو وأصبح الكاتب هو الرقيب على نفسه إلى حد كبير وحصلت في ظل ذلك تجاوزات من بعض الكتاب مما استدعى صدور تلك التوجيهات للأجهزة الحكومية بأن توضح الحقائق.. والمؤمل ألا يقتصر الرد على نفي ما ورد في نقد غير موضوعي وإنما نريد إشعار الكاتب الإيجابي المتزن بأن ملاحظاته قد أفادت في إصلاح وضع أو معالجة مشكلة.. كما نريد نحن معشر كتاب الرأي توفير المعلومة لمن يطلبها دون تأخير فالكاتب ملتزم بوقت للكتابة وتقديم مقالته للمطبوعة مما يجعل الانتظار الطويل يضيع عليه فرصة تناول موضوع حيوي في الوقت المناسب.
وأخيراً: العلاقة بين الصحافة خاصة ووسائل الإعلام عموماً والجهات الحكومية يجب أن يسودها حسن الظن وعدم تحميل الأمور أكبر مما تحتمل وتفسير النوايا والحكم عليها.. كما أن شعرة معاوية يجب أن تكون حاضرة في المشهد بين الطرفين لكي يستمر الإعلام في أداء رسالته معيناً للدولة على تحسين مستوى الخدمات ومقدما الأفكار البناءة التي طالما أخذت بها بعض الأجهزة الحكومية دون أن تشير إلى فضل من قدم هذه الأفكار.. أما النقد فإن له ضوابطه الموضوعية وكم من نقد عدل معوجاً وأوقف تجاوزاً.. ويبقى بعد ذلك التجريح والمبالغات والإثارة التي يرفضها كتاب الرأي المعروفون بأقلامهم الوطنية وهم كثر ولله الحمد.