رحلة من مطار جدة .. مشاهدات مسافر
كشفت السيول عن الفساد القابع تحت شوارع جدة وفي مشاريع تصريفها ومجاريها، ثم جاء موسم العمرة ليكشف عن فساد آخر في مطارها، فقد كان سيل المعتمرين قياسيا في هذا العام. ومع كثرة اللائمين لـ ''الخطوط السعودية'' وخوفا من مقولة ''إذا طاح الجمل'' لم أكن أرغب في الكتابة عما وصلت إليه الحالة في هذا المطار. لكن بالأمس استفزتني قصة أحد الأصدقاء وقد أنهى رحلة مضنية من مطار أبها إلى الرياض مرورا بجدة. انتهت الرحلة بعد أربعة أيام قضاها بين هذه المطارات الثلاثة وقد أعياه التعب وهدّه المرض وأصيب بحالة نفسية سيئة. كان شاهد عيان على حالات من الفساد وسوء استخدام السلطة من بعض موظفي المطار .. وهذه مشاهداته.
المشهد الأول (مطار أبها: الدولي بالمقاييس الإقليمية) يفشل صاحبنا في الحصول على حجز للعودة إلى الرياض مع تجمع بشري كبير عند نقطة ركاب الانتظار، وبعد أن أخذ ''الشور'' من أحد معارفه قرر أن يأخذ الرحلة إلى مطار الملك عبد العزيز في جدة وبعد ذلك يسافر إلى الرياض فهناك رحلة كل ساعة.
المشهد الثاني (مطار جدة: دولي بمقاييس دولة فقيرة): المسافرون مزدحمون والفوضى عارمة وعدد ركاب الانتظار الذين يرغبون في السفر إلى الرياض بالمئات، 12 رحلة يوميا بين جدة والرياض ومع ذلك بقي المئات بلا مقاعد، أمر محير فعلا. في ذهول ذهب صاحبنا للاستفسار عن فرصة الحجز على رحلة مغادرة للرياض. ضحكة مدوية من الموظف وهو يقول: ألا ترى كل هؤلاء الذين ينتظرون؟.. لو كان هناك أمل في الحجز ما انتظر أحد! ويقترح الموظف عليه أن يسجل في القائمة لعل وعسى. بتكاسل يذهب صاحبنا إلى تسجيل الانتظار ويسأل الموظف: هل من أمل؟.. أجابه بكل فخر: ''يا عمي هناك 12 رحلة وتسأل عن أمل؟ طبعا، الرحلة التالية إن شاء الله تسافر وهناك رحلتان إضافيتان ''كمان''، أنت اقطع تذكرة وتعال بسرعة''. يهرول صاحبنا ويقطع تذكرة ويعود مفعما بالأمل، ويسلم التذكرة للموظف. الرحلة الأولى تمر ولم يذكر اسمه، تمر التالية والتي بعدها والمشهد بلا تغيير، صاحبنا يجلس ويقفز مع كل نداء لكن بلا جدوى. ثم فهم أخيرا أن الرحلة الإضافية لم تكن سوى فخ لشراء التذكرة فقط.
المشهد الثالث: يجلس صاحبنا في هدوء على كرسي مهترئ يتأمل المسافرين، يجلس بجواره شاب أنيق يتحدث في جواله عن الرحلة التالية إلى الرياض ومشكلة ركاب الانتظار، يهمهم ثم يذكر أسماء متعددة ويردد أحد تلك الأسماء أكثر من مرة، يقوم من مكانه ويختفي بين المسافرين، تمر بضع دقائق ثم نصف ساعة، يعود الشاب إلى الكرسي بجوار صاحبنا وهو مبتسم يحمل جواله ويتصل على أحد الأصدقاء يطلب منه الحضور سريعا فلقد حصل على بطاقات صعود الطائرة، ويردد بمباهاة ''ما قصر فلان''، يقولها وهو يلوح بالبطاقات في يده وأمام ناظري صاحبنا الذي أمضى حتى الآن ست ساعات بلا فرصة للسفر.
المشهد الرابع: فترة من الهدوء في منطقة ركاب الانتظار، يقرر صاحبنا التجول في المطار عله يجد له فلانا (كالذي وجده الشاب الأنيق)، لكنه سمع صراخا عند الرحلات الدولية. رجل مسن من جنسية عربية معه زوجته المسنة يشتكي إلى أحد موظفي الخطوط كيف تم إلغاء حجزه المؤكد ولماذا ينتظر منذ 12 ساعة بلا أمل. يرد الموظف بعنف شديد غير مبرر: (طيب إيش أعملك)، يرد الرجل المسن بأن على موظفي الخطوط تحمل مسؤولية أخطائهم وأنه رجل مسن ومعه امرأة مسنة ويجب أن يتصرفوا لحل المشكلة، جاء رد الموظف بأن على الرجل أن يأخذ تذكرته ويذهب ليبحث عن الموظف المسؤول الذي ألغى حجزه ثم يقوم بسحب تذكرة الرجل المسن من قوائم الانتظار وإعادتها له في تحد صارخ ويقول (ودور لك على رحلة الآن). تتعالى الأصوات ضد الموظف الذي لم يرحم الرجل ويقدر ظرفه، بينما الموظف يهدد ويقول: ''اللي معترض يأخذ تذكرته ويروح يشتكي''. يسكت الجميع ينظرون بألم إلى الرجل المسن.
المشهد الخامس: تعود الحياة إلى نقطة ركاب الانتظار والمشهد يزداد تأزما مع مناداة موظف الخطوط رجلا من جنسية آسيوية يعطيه بطاقة الصعود بشكل مريب، لتبدأ موجة من الغضب بين المسافرين واشتباكات باليد بينما يصرخ البعض مطالبا بالتحقيق في العلاقة بين الموظف والراكب. يختفي الموظف ويأتي آخر، الذي يبدو أنه كان مهتما بشكل خاص بأحد الركاب؛ ذلك أنه بمجرد أن أعطاه بطاقته ترجل الموظف وودعه بحرارة مبالغ فيها دون مراعاة لمشاعر الركاب الذين فشلوا في الحصول على المقعد نفسه والشك الذي يساورهم.
المشهد السادس: مرت حتى الآن 12 ساعة بلا جدوى ليقرر صاحبنا التوجه للفندق؛ فقد أرهق بما يكفي ويحتاج إلى النوم حتى يستعيد قدرته على الوقوف لعدة ساعات إضافية. فندق المطار مزدحم وعليه أن يجد فندقا خارج منطقة المطار وبهذا لن يستطيع متابعة قوائم الانتظار، لكنه أخيرا يقرر التضحية ويذهب للفندق.
المشهد السابع (في الفندق) هدأت أفكار صاحبنا ليتذكر أن هناك شركة طيران منافسة فلقد نسيها تماما وهو في المطار فلا إشارات واضحة عنها. يتصل بالحجز الذي يطمئنه بوجود رحلة إضافية بعد يومين ويجب عليه قطع التذكرة فورا. يذهب مسرعا لقطع التذكرة، سعر التذكرة ذهابا بلغ 450 ريالا، مع مبلغ 150 ريالا كضرائب و20 ريالا أخرى لأنه حجز عن طريق الهاتف! يطلب صاحبنا تبريرا للضرائب ومن فرضها ولمن ستدفع، وكيف أنه يعاقب لأنه حجز عن طريق الهاتف أليست هذه خدمات مجانية؟ ألا يكفي ما يدفعه لشركة الاتصالات؟ تأتي الإجابة حادة جدا: ''تريد حجز وتسافر ادفع وبلا أسئلة ما لها معنى''. يدفع صاحبنا مرددا ''الله القوي''.
المشهد الثامن (الطائرة) يطلب صاحبنا كوبا من الماء بعد أن دفع ربع راتبه الشهري في تذكرة انتظار لم يستفد منها وغرفة فندق لم يكن في حاجة إليها وتنقل إجباري بين المطار والفندق وتذكرة أخرى داخلية بسعر دولي مع ضرائب وغرامات حجز. جاءه مضيف الطائرة ليخبره بأن الماء بسعر فنادق العشرة نجوم، قرر صاحبنا عدم شراء الماء بذلك المبلغ بعد أن دفع قيمة تلك التذكرة فقرر البقاء مع عطشه. طائرة بلا ماء وخطوط بلا رحمة في بلد يضيء العالم ويتحضر بخيرات نفطه.
المشهد التاسع (مطار الملك خالد في الرياض موقف تاكسي المطار)، الفوضى عارمة مرة أخرى، وخصام بين مسافر وسائق تاكسي على قيمة الأجرة، يذهب المسافر إلى تاكسي آخر ويقرر صاحبنا تكرار التجربة ليذهب للسائق يسأله عن الأجرة، السعر مبالغ فيه جدا. يخبره صاحبنا أنه لو استأجر سيارة تبقى معه طوال اليوم لن يصل للثمن نفسه. جاء الرد ساخرا (استأجر يالشاطر)، انتقل صاحبنا إلى سائق آخر قدم سعرا يقل عن صاحبه بشكل بسيط، يدب الخلاف بين السائقين، فوضى جعلت صاحبنا يصاب بحالة عصبية ويدخل في نوبة صراخ، يقف الجميع ينظرون إليه بحسرة وتذمر، كل هذا الصراخ من أجل تاكسي.