رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


إيران.. الظلم باسم المظلومية!

المتمعن لما يجري على الساحة الإقليمية يدرك تماما أن إيران منبع الشر ووراء كل فتنة وسبب معظم الأحداث التي عانتها المنطقة، فهي لا تَكَلّ ولا تمل من التدخل في شؤون الغير، وتعلن صراحة تصدير ثورتها، التي اتخذت شعار الدفاع عن المظلومين، وأخذت على عاتقها نشر مذهبها الصفوي الذي يحرض على الكراهية والانتقام، ويشق صف المسلمين على أساس من الأطروحات الوهمية والافتراضات الخاطئة والمغالطات التاريخية والأحاديث الموضوعة.
الثورة الإيرانية في جوهرها إيديولوجية للحكم والسيطرة باسم المذهب والترويج له، لم تقدم نموذجًا تنمويًا جديدًا للعالم الإسلامي، فما زالت تراوح مكانها متوقفة عند احتفالية الإطاحة بحكم الشاه، ولم تنتقل بعد من حال الثورة إلى حال التطوير وتحقيق التنمية والسلم الاجتماعي، فجهودها ومواردها وجل اهتمامها موجه نحو تحقيق أجندتها التوسعية على حساب مستوى معيشة المواطن الإيراني المغلوب على أمره؛ لذا لم يكن مستغربًا أن يفشل النموذج الإيراني السلطوي الذي يقوده الملالي في تطوير إيران سياسيًا واقتصاديًا مقارنة بما يحدث من تقدم في دول إسلامية مثل تركيا وماليزيا وإندونيسيا ولا حتى ما تحقق من إنجاز في البنية التحتية في دول الخليج وما بلغته من مستو عال من الرفاهية الاجتماعية، وتناسب أنظمتها السياسية مع نظمها الاجتماعية العشائرية لتنعم بالسلم والتآخي والتسامح والانفتاح والعدل والمساواة.
لكن، كما يظهر على ساحة الأحداث في المنطقة، لم يرق لإيران أن تتعايش مع الآخرين؛ لأنها تؤمن بقانون الغاب بأن الحق يتبع القوة وليس العكس، وهذا يفسر سعيها الحثيث إلى تطوير ترسانتها العسكرية، على الرغم من أنه ليس هناك تهديد من دول الجوار ولا حتى المنطقة بأسرها، فقد أصبح مكشوفًا أن إيران وإسرائيل والولايات المتحدة ينامون في السرير نفسه، وتتقاطع مصالحهم ويتوحد هدفهم ضد الأمة العربية، وما حدث من تسليم العراق لإيران على طبق من ذهب يغني عن أي قول، فضلاً عن أن إيران وإسرائيل الدولتين الوحيدتين اللتين تنعمان بدعم الولايات المتحدة في مشروعهما النووي للأغراض العسكرية، وأما تهديدات الولايات المتحدة وإسرائيل والتراشق الإعلامي السمج، فهي مسرحية سخيفة لا تنطلي على ذي عقل. ويبدو أن الولايات المتحدة وتحقيقًا للمصالح الإسرائيلية في المنطقة نجحت في تطبيق مبدأ فَرِّقْ تَسُدْ من خلال ضرب الوحدة والقوة الإسلامية التي تمثلها الأغلبية السنية بخلق وتقوية ودعم الجبهة الشيعية ليكون هناك نوع من التضارب في القوى والتهديدات المتبادلة داخل الأمة الإسلامية يفضي إلى الانشقاق والتنازع. والواقع أن الأمريكان وجدوا ضالتهم في المذهب الصفوي لمواجهة المذهب السني الذي يرون أنه يتهددهم؛ كونه قائمًا على الطهورية والعقيدة الصافية البعيدة عن الخزعبلات وقدسية الأشخاص. ومع الأسف؛ أخذ الإيرانيون على عاتقهم تنفيذ المهمة بحماس منقطع النظير، تدفعهم في ذلك أيديولوجية المذهب التي ترفض الآخر، بل حتى تكفر رموزه وعمومه، فقد حجبتهم هذه الكراهية المتأصلة عن رؤية المصالح المشتركة والعيش بوئام ومحبة مع جيرانها العرب، الذين طالما فتحوا صدورهم وبلدانهم لها، وبحثوا عن أي فرصة لتطوير العلاقة الثنائية وتقويتها.
لقد قابلت إيران هذا الكرم العربي بالتمادي والتعدي، فاحتلت أراضيهم، ولم تبرح تنفث شرورها وتثير الفتن وتقوم بالأعمال الإرهابية، فها هي وعلى أساس من الطائفية والحقد والكراهية والحماس العاطفي تدعو أتباعها في المنطقة إلى التخلي عن وطنيتهم وولائهم لبلدانهم وتطالبهم بأن ينضووا تحت لوائها، وأن يكونوا من أتباعها، وهي بذلك تدفعهم نحو إفساد اجتماعهم وتخريب بيوتهم بأيديهم ومقابلة إحسان أنظمتهم بالإساءة. وهنا تبرز تساؤلات عدة هي في غاية الأهمية، يجب على من تسول لهم أنفسهم اتباع الهوى والتخلي عن الحكمة والوطنية الإجابة عنها وأخذها في الحسبان، وهم يهمون في الانسياق وراء الادعاءات الإيرانية الباطلة والتصورات الوهمية والحماس المذهبي: هل النظام الإيراني يقدم نموذجًا سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا أفضل من النظم السياسية والاقتصادية في المنطقة؟ هل النظام الثوري الطائفي نظام ديمقراطي أم نظام استبدادي قمعي يكمم الأفواه ويمارس التمييز بين فئات المجتمع؟ هل يظن أولئك الذين يرغبون ويسعون إلى أن تحكمهم إيران أو تسيطر عليهم أنهم سيعيشون حياة أفضل؟ الواقع في إيران سيئ للغاية، والناس يعيشون حياة قاسية سياسيًا واقتصاديًا، ولا أدل على ذلك من القمع الوحشي وفرط استخدام السلطة الذي مورس ضد المعارضة السياسية السلمية في إيران نفسها، وما اكتنفها من تزوير للانتخابات، فضلاً عما تعانيه الأكثرية المهمشة من الأحوازيين والأكراد وسلبهم أبسط حقوقهم والتعدي عليهم بوحشية، وشنقهم في الطرقات دون محاكمات. ليتصور أتباع إيران في المنطقة ولو للحظة ماذا سيكون وضعهم تحت الحكم الإيراني؟ وما احتمالية أن تمارس إيران عليهم القمع السياسي والاقتصادي، وهل ستتاح لهم الفرصة في إبداء وجهة نظرهم أو الاعتراض؟ المطلوب من المتحمسين لإيران الذين تروق لهم من بعيد أن يدققوا النظر ويعيدوا التفكير ويقارنوا بحيادية وبموضوعية بين أنظمتهم الوطنية والنظام الإيراني القمعي. المسألة هنا نسبية؛ لأن كل نظام يعتريه الخطأ والقصور والعبرة في حجم الأخطاء وفداحتها، لذا يكون من غير العدل والمنطق التركيز على الأخطاء في أوطانهم وتعظيمها، وفي الوقت ذاته عدم الالتفات إلى الأخطاء الفادحة للنظام الإيراني ومن يدور في فلكه ويأتمر بأمره مثل النظام السوري الغاشم وحزب الله، الذي يعيث في لبنان إفسادًا.
لقد فضحت الأحداث التي يمر بها العالم العربي هذا النفس الطائفي الخبيث للسياسة الإيرانية عندما ذهبت إيران تستغل هذه الموجة من الثورات تؤلب أتباعها في البحرين المستكينة الآمنة التي تمثل النموذج المثالي للتعايش السلمي والشعب الطيب المتسامح للخروج على السلطة الشرعية وشق عصا الطاعة بمظاهرات غير سلمية للمطالبة بتغيير النظام من أجل تحقيق التبعية لإيران وخدمة أغراضها التوسعية في المنطقة، وليس بهدف إجراء إصلاحات داخل البيت البحريني. ومن المفارقات العجيبة أن تدعم إيران النظام السوري لارتكاب المجازر والجرائم والظلم في حق الشعب السوري المسالم في الوقت الذي تتهم حكام البحرين زورًا وبهتانًا بالظلم، مع أنهم وعلى مدى حكمهم الطويل لم يفعلوا مثقال ذرة مما فعله ويفعله الحزب الطائفي في سورية من سفك للدماء وهتك للأعراض وسلب للحريات والحقوق، بل إن الإحصاءات تشير إلى أن أبناء الطائفة الشيعية في البحرين أكثر حظًا وحظوة، ويتمتعون بميزات اقتصادية وسياسية مقارنة بغيرهم. لقد اتضح أن شعار نصرة المظلومين ومحاربة الشيطان الأكبر الذي تعلنه إيران لم يكن إلا كما قال الخليفة الراشد علي - رضي الله عنه ''كلمة حق أريد بها باطل'' .. إنه ممارسة الظلم باسم المظلومية!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي