الجمعية السعودية للمراجعين الداخليين ومنظومة مكافحة الفساد
جهد ضخم وعمل تطوعي كبير توج بصدور قرار مجلس الوزراء بإنشاء الجمعية السعودية للمراجعين الداخليين، لم يحالفني الحظ لكي أكون من بين أولئك الذين تحقق لهم شرف العمل على إنجاز هذا المشروع الذي يأتي في وقته المناسب وكنتيجة للأهمية البالغة التي وصلت إليها مهنة المراجع الداخلي في المملكة والعالم ككل. تلك المهنة التي تحتاج إليها البلاد اليوم مع تطور مفهومين في غاية الأهمية هما مفهوم مكافحة الفساد ومفهوم قياس الأداء. وعلى الرغم من الأبعاد الثقافية والأخلاقية لهذين المفهومين، إلا أنهما قضيتان رقابيتان في المقام الأول وقد تم إنشاء هيئات ومراكز مستقلة تهتم بكل قضية على حدة (حيث تم إنشاء هيئة مكافحة الفساد وكذلك مركز قياس الأداء)، كما تم إقرار لائحة وحدات المراجعة الداخلية في الجهات الحكومية. ومع ذلك فإن تحقيق الأهداف والغايات التي من أجلها تم تطوير هذه المنظومة الرقابية الشاملة يحتاج إلى تطوير مواردنا البشرية بالمقابل، تلك الموارد التي لن يكفي معها الحصول على شهادات أكاديمية فقط بل تحتاج إلى إطار مهني كامل. وذلك الإطار يبدأ بإنشاء مرجع مهني وهي الجمعية السعودية للمراجعين الداخليين. فلا يمكن الادعاء بوجود مهنة ما إلا بتوافر قواعدها الأساسية والتي تشمل أولا: هيئة لتطوير المهنة والإشراف عليها ومتابعة وحصر المنتمين لها، ثانيا: قواعد ومعايير للعمل والسلوك والأخلاق، ثالثا: تعليما مستمرا، وأخيرا اختبارات مهنية. وبصدور قرار مجلس الوزراء بإنشاء الجمعية فقد تم وضع حجر الأساس للإطار الشامل لمهنة المراجعة الداخلية في المملكة، وتبقى القواعد الأخرى مرهونة بالجهود التي من المتوقع أن يبذلها المخلصون من أبناء هذه الجمعية وكذلك المشاركة الواسعة والفعالة من الجهات الحكومية والخاصة على حد سواء.
المراجعة بشكل عام تعمل على ثلاث منصات رئيسية وهي مراجعة القوائم المالية (المراجعة الخارجية التي يقوم بها مراجع خارجي) ومراجعة مدى الالتزام بالأنظمة والخطط والعقود وأخيرا مراجعة الأداء التي تتطلب تقييم الكفاءة والفعالية في استخدام الموارد لتحقيق الأهداف المخططة للمؤسسات والمنظمات. وإذا كانت الهيئة السعودية للمحاسبين القانونيين تهتم بعمل المراجعين الخارجيين بشكل أساسي، فإن الموضوعين الأخيرين (مراجعة مدى الالتزام ومراجعة الأداء) هما الموضوعان اللذان تهتم بهما الجمعية السعودية للمراجعين الداخليين - إضافة إلى المراجعة المالية ولكن وفق منظور مختلف عن المراجعة الخارجية. فمهما قيل عن مكافحة الفساد وعن قياس الأداء فإن ضمان الجودة في الإنجاز يحتاج حتما إلى وجود مراجع داخلي مؤهل مهنيا، والتأهيل المهني يحتاج تحقيقه إلى اختبارات مهنية لن يستطيع المرشح للعمل في المهنة تجاوزها إلا إذا حصل على تأهيل علمي متخصص. هذا التأهيل العلمي المتخصص تبدأ به الجامعات وعلى الجمعية أن تستكمله باشتراطات معينة تضمنها برامج التعليم المستمر. ذلك أن الفساد ''مرض'' تظهر أعراضه ''بضعف الأداء وجودة العمل'' وهدر الموارد والعجز عن إنجاز الأهداف المطلوبة. وإذا كانت هيئة الفساد مسؤولة عن استئصاله فهي بحاجة أولا إلى كشف أعراضه والتأكد من أن تلك الأعراض تعود إلى عمل وعامل فاسد. فلا يكفي لهيئة الفساد والعاملين فيها انتظار معلومات سرية من فاعل خير عن وجود حالة فساد في جهة معنية بل يلزم ذلك القيام بدراسة ظواهر الفساد والبحث عن أسبابها وهذا يحتاج إلى إجراءات فعالة لقياس ومتابعة الأداء، ولعل هذا ما يقوم به مركز قياس الأداء. ولهذا يجب أن نضمن وضوح التخصصات بين الجهتين وكذلك حسن القيام بالواجبات والتنسيق الكامل بينهما ولن يحدث ذلك ما لم تتوافر لهاتين الجهتين كوادر مؤهلة.
وإذا كانت وظيفة فحص مدى الالتزام (والتي قد يترتب عليها كشف الغش والفساد) وكذلك وظيفة تقييم الأداء من المهام الأساسية للمراجع الداخلي فيجب إذا أن نطمئن على التأهيل الجيد للمراجع الداخلي كما نطمئن على تأهيل الطبيب، ذلك أن خطأ الطبيب ينتهي تحت التراب (بموت المريض) بينما خطأ المراجع الداخلي أو فساده قد ينتهي بالمجتمع ككل إلى الخراب والفوضى وضياع الصحة العامة والدمار الشامل. فالمراجع الداخلي يتابع ويفحص حتى أداء الأطباء. نحن نطمئن لتأهيل المراجع الداخلي عندما يجتاز الاختبارات المهنية التي أشرفت عليها هيئات مستقلة. فحصول المراجع الداخلي على شهادة الزمالة من الجمعية السعودية للمراجعين الداخليين (أو أي جهة ترخصها هذه الجمعية) سيضمن لنا رأيه في تشخيص مشاكل ضعف الأداء ودقة قياساته وأن ذلك الضعف يرجع إلى قضايا فساد أو غيرها. فالفساد في المجتمع كالفساد في الجسم لا حل له - أحيانا - إلا بالاستئصال وتقرير ذلك يجب أن يتم بعد التشخيص الصادق والسليم.
من هنا يظهر أن الجمعية السعودية للمراجعين الداخليين تأتي في وقت سليم لاستكمال منظومة العمل نحو رفع كفاءة الجهات الحكومية ورفع كفاءة هيئة مكافحة الفساد ومركز قياس الأداء، حيث ستضمن الجمعية تدفقا للكوادر المهنية المؤهلة التي يحتاج إليها البلد في هذه المرحلة وكذلك ضمان نقل وتدفق سليم للمهارات والمعرفة العلمية المتطورة في هذا المجال. لكن هذا مرهون بأمرين، الأول مدى تفاعل هيئة مكافحة الفساد ومركز قياس الأداء ووحدات المراجعة الداخلية مع هذه الجمعية، والآخر هو حجم الدعم الذي ستجده هذه الجمعية لتنفيذ برامجها.