نافذة على الخوف!
لم يكن قَسم الزواج وقَسم عقود العمل في روسيا يؤدى على الكتاب المقدس، بل على سندان الحداد! ونابليون القائد الشجاع كان يخاف القطط السوداء، وسقراط كان يخشى الحسد والعين الشريرة، أما بوليس قيصر فخاف الأحلام! وبعض الشعوب تحذر من فتح وغلق المقص في الهواء، ومن تشبيك الأصابع عند عقد القِران خوفًا من فشل الزواج، لذلك كان يقتصر على عدد معين ويتم بسرية تامة، والبعض يخشى المرور تحت السلم، وقديمًا كان تحت السلم مكان مرعب، أما اليوم فيتخذه البعض جلسته المفضلة، وإذا خاف أحدهم من الحسد فيقول امسك الخشب، أو دق على الخشب، وفي بعض البلدان تجد حدوة الحصان معلقة على الأبواب وفي الحلي لطرد الشر!
ولا يزال الكثيرون يؤمنون بهذه الخرافات رغم التطور العلمي والثقافي، ويربطون بعض الحوادث العادية والحيوانات بما يتزامن مع حدوثها أو مرورها من خير أو شر، ولكل خرافة قصة وأصل وخلفية ثقافية فقدت مع مرور الزمن وبقي المعتقد، فكلما عجز الإنسان قديمًا عن تفسير أي أمر يحدث مثل الرعد والبرق وتحول البذرة إلى شجرة وإحساس الحيوانات بالخطر قبل وقوعه أرجعها إلى الغيبيات والأرواح الشريرة وابتكر أساليب تبعد عنه الشرور.
لذا استخدام سندان الحداد للقسم عليه لارتباطه بصناعة حدوة الحصان، وهي أكثر التعويذات انتشارًا في العالم، وتعود القصة إلى أسطورة القديس دونستان الذي كان حدادًا، وفي أحد الأيام جاء إليه رجل يطلب إليه أن يحدي قدميه، ما أثار دهشة دونستان، واعتقد أنه من الجن، خصوصًا أن قدميه عبارة عن أظلاف مشقوقة، لذلك طلب إليه أن يقيده ويعلقه في الحائط كي ينجز عمله، وتعمد تعذيبه وأخذ الرجل المشكوك في أمره بالتوسل وطلب الرحمة ورفض دونستان طلبه ما لم يقسم ويعطه وعدًا صادقًا بألا يدخل منزلاً وضعت على بابه حدوة حصان، من هنا صنعت دقاقة الباب على شكل حدوة حصان!
أما أصل النقر على الخشب فيعود إلى عام 2000 قبل الميلاد، حيث لاحظ هنود شمال أمريكا والإغريق تكرار إصابة شجرة السنديان بالصواعق والبرق فاعتقدوا بقدسيتها، ولتجنب الفأل السيئ كانوا ينقرون على قاعدتها لإبعاد الشرور واعتبروها ملاذا آمنًا، ونرى صورة هذا المعتقد يمارسها الأطفال عن غير قصد في لعبة المطاردة، وفيها يتخذون من جذع أي شجرة مكانًا آمنًا لا يحق للمطارد الإمساك بهم إذا وصلوا إليه، وكان يطلق عليه ''الحّابه''!
وحكاية شؤم القطط السوداء تعود للقرن السادس عشر، وهي موثقة في السجلات البريطانية، عندما ارتعب أب وابنه في إحدى الليالي حالكة الظلمة من قط صغير دخل في فجوة جدار فرَموه بالحجارة وانطلق فزعا إلى داخل بيت امرأة يعدها أهل البلدة ساحرة، وفي اليوم التالي التقى الأب وابنه المرأة في الشارع، وكانت تعاني إصابات عدة في الوجه والذراعين وتعرج في سيرها، ومنذ ذلك الحين عدّ سكان بلدة لينكولن شاير كل القطط السوداء ساحرات متنكرات فتحول القط من مخلوق أليف ومحبب إلى مخلوق مخيف.
ومن شدة الخوف من الحسد والعين الشريرة استخدم قدماء المصريين الكحل كأول مضاد لها ورسمه الرجال والنساء حول العين بشكل دائري أو بيضاوي، وفي باكستان يرسمون، إضافة إلى ذلك، دائرة بالكحل بين العينين ليمتص الأسود ضوء الشمس، ويقلل من الوهج المنعكس إلى العين.. إذًا كان الكحل لمنع الحسد وليس للتجميل، أما هذه الأيام فلا تحلو إلا بتزيين العيون.. وكل عام وأنتم بخير.