أسواق النفط والمال وقاعدة الأواني المستطرقة
في السنوات الأخيرة كان هناك الكثير من الجدل عن تأثير المضاربين في أسواق العقود الآجلة للنفط في أسعار النفط، حيث إن البعض يشير إلى أن حركة المضاربين تؤثر في الأسعار وتشتت الانتباه بعيدا عن أساسيات السوق من عرض وطلب وغيرهما. لكن البعض الآخر يشير إلى أن نشاط المضاربين جعل أسواق النفط مرتبطة ارتباطا وثيقا بالتطورات في الاقتصاد بشكل أوسع والأسواق المالية.
موجة التذبذبات الحادة التي تجتاح أسواق المال والنفط العالمية توضح كيف أن أسواق النفط العالمية، أو على الأقل العقود الآجلة للنفط، أصبحت مرتبطة ارتباطا وثيقا مع الأسواق المالية الأخرى. ومعلوم أن الاقتصاد يعمل بما يشبه قاعدة الأواني المستطرقة في الفيزياء، خصوصا في ظل اقتصاد عالمي متشابك ومتكامل بشكل متزايد، المتغيرات والتقلبات التي تنشأ في جزء من الأسواق المالية ينتقل صداها وتأثيرها بسرعة إلى الأجزاء الأخرى.
في بعض الأحيان تكون الأسواق عرضة للتقلبات السريعة والفقاعات، هذه نتيجة منطقية للأسواق العالمية المتشابكة متأتية من التنوع الواسع في المصالح والمشاركين. على الرغم من الشكاوى حول المضاربات في أسواق البورصة، مثل موجة التذبذبات الحادة التي حدثت أخيرا نتيجة الديون في منطقة اليورو وخفض التصنيف الائتماني للدين الحكومي الأمريكي، تعتبر الأسواق المالية عموما مرآة للاقتصاد العالمي وجهازه العصبي، حيث تقوم بغربلة البيانات وإرسال إشارات عن المخاطر أو الفرص المقبلة. هذه الإشارات يمكنها أن تنشئ تحركات في أسواق السلع الأساسية، حسب طبيعة الحدث.
على سبيل المثال، انزلقت العقود الآجلة لخام بحر الشمال القياسي (برنت) من فوق 120 دولارا للبرميل في الأول من أب (أغسطس) الجاري إلى أدنى مستوى لها في التاسع من أب (أغسطس)، حيث وصلت إلى 98.74 دولار للبرميل، قبل أن تنتعش فوق 111 دولارا للبرميل في وقت كتابة هذا المقال. التذبذب الحالي في أسعار النفط يعود بالدرجة الأولى إلى تحول انتباه المستثمرين إلى البيانات الاقتصادية والعناوين السياسية، وعلى نطاق واسع تعكس أيضا تحركات أسعار الأسهم.
يمكن القول، إن اعتبار النفط سلعة تتداول في الأسواق المالية قد بدأ في ثمانينيات القرن الماضي مع إطلاق العقود الآجلة للنفط في بورصة نايمكس وبورصة البترول الدولية في لندن التي تعرف الآن ICE. حتى ذلك الحين، كان النفط الخام إلى حد كبير يتداول في ناقلات كبيرة الحجم مع سوق أوراق وليدة عرف بما يسمى سوق برنت 15 يوما. حيث كان ينظر كثير من المتعاملين في أسواق النفط إلى أسواق النفط الآجلة على أنها أسواق دخيلة وغير مرغوب فيها، على الرغم من أن الأسواق الآجلة للسلع الأخرى كانت موجودة منذ وقت طويل جدا. مع ذلك منذ الأيام الأولى والعقود الآجلة للنفط تحقق المكاسب تلو الأخرى، وتوفر الشفافية والسيولة لأسواق النفط، واستقطبت مشاركين جددا مثل صناديق التقاعد وغيرها من الصناديق الائتمانية والمستثمرين من المؤسسات والأفراد. وكان لإدخال أجهزة الكمبيوتر المتطورة والبرامج المتطورة في عملية التداول دور في نقل أسواق العقود الآجلة للنفط خطوة أخرى إلى الأمام.
فك الارتباط بين أسعار تداول العقود الآجلة للنفط وأساسيات أسواق النفط من عرض وطلب كان أحد تداعيات تنامي دور النفط كسلعة تتداول في الأسواق المالية كباقي السلع. وأدى ذلك إلى تحرك أسعار النفط وتذبذبها في ضوء اعتبارات بعيدة كل البعد عن الكلف الحقيقية للإنتاج أو وفرة إمدادات الطاقة العالمية، أو توافر بيانات العرض والطلب الدقيقة. في المقابل أثارت هذه الحالة اتهامات بأن المضاربين يتلاعبون بأسعار النفط.
في هذا الجانب يرى البعض أن هذا التحول لا يعتبر سيئا ومضرا لأسواق النفط بصورة كاملة بل له بعض الإيجابيات، حيث يجدون بأنه أضاف عنصر إضافي لاستقراء واستكشاف الأسعار، خصوصا خلال فترات عدم اليقين الكبيرة، كما هو الحال في الوقت الراهن.
في الواقع أن الاندماج والتشابك المتزايد لأسواق النفط مع الأسواق المالية والبورصة ينطوي عليه المزيد من التقلبات والتذبذب بالأسعار، كما يسمح للأسعار أيضا بعكس المتغيرات السريعة للظروف، وغالبا ما تكون ردة فعل المضاربين أكثر سرعة ورشاقة من المتداولين التقليديين بالنفط، الذين يتطلعون إلى مزيد من البيانات الفعلية عن أحوال السوق من عرض وطلب. كما أن الأسواق تبدو أكثر ميلا للتحرك بقفزات كبيرة عندما تكون المضاربات في أعلى مستوياتها، لكن المضاربين لا يحصلون الآن على أسعار أعلى بكثير مما هي عليها حاليا، نتيجة الأزمة الحالية في منطقة اليورو التي تبدو مستعصية، وخفض درجة التصنيف الائتماني للدين الحكومي الأمريكي وتزايد المخاوف من ركود وتراجع مزدوج في الاقتصاد العالمي.
على الرغم من سيل الأنباء السيئة المتداولة في الآونة الأخيرة عن حالة الاقتصاد العالمي وأسواق المال، ترى بنوك الاستثمار الكبيرة أنه ليس هناك حاجة إلى الذعر. حيث تراجع هذه البنوك باستمرار بيانات العرض والطلب، بناء على هذه البيانات يتفق بصورة كبيرة محللوها على أن مستقبل أسعار النفط ستكون من جديد في الاتجاه التصاعدي بمجرد أن تمر هذه الفترة من الاضطرابات. يرى هؤلاء المحليين بأن أسعار النفط سوف تستأنف الاتجاه التصاعدي في 2012، حيث يتوقعون أن متوسط سعر خام برنت سيتراوح ما بين 110 و130 دولارا للبرميل، من المحتمل ارتفاعه أعلى من ذلك. القوة المحركة لهذا الارتفاع - حسب رأيهم - استمرار نمو الطلب على النفط في الاقتصاديات الناشئة، والقيود على الإمدادات.
مع ذلك حتى الآن هناك عدد متزايد من المؤشرات السلبية، كان آخرها ضعف ثقة المستهلكين في الولايات المتحدة وعدم نمو اقتصادي ألمانيا وفرنسا، حيث تشير هذه المؤشرات إلى تعافي مضطرب للاقتصاد العالمي وشكوك بقدرة السياسيين على تجنب الأزمات المحتملة. في المقابل، هناك مؤشرات على أن بعض المضاربين الأكثر مضاربة في أسواق النفط تراجعوا عن مواقعهم، على سبيل المثال تشير أحدث البيانات عن عقود خام برنت ونايمكس وأسواق الخيارات (الأوبشن)، إلى انخفاض عدد الرهانات على ارتفاع أسعار النفط وارتفاع عدد الرهانات على انخفاضه، ما يدل على أن المضاربين هم أقل ثقة من محللي البنوك حول محافظة أسعار النفط على مسارها التصاعدي.
ولم تقتصر مواقف المستثمرين هذه على أسواق النفط وحدها، بل تعدتها أيضا إلى الأسهم والأسواق الأخرى، حيث تشير أحدث البيانات في هذا الجانب إلى قيام المستثمرين في الأسبوع المنتهي في 10 أب (أغسطس) بتحريك ما يقرب من 50 مليار دولار من صناديق الأسهم والسندات والعقارات، إلى الملاذ النقدي الآمن، وفقا للصندوق العالمي لرصد الاستثمارات Emerging Portfolio Fund Research. الأداء الضعيف لأسهم شركات الصناعة النفطية مؤخرا يشير أيضا إلى وجود اعتقاد سائد بين المستثمرين على انخفاض أسعار النفط، حيث إن قطاع الموارد والبنوك أصيبا بالضرر الأكبر من عمليات بيع الأسهم الأخيرة، هذه التطورات مشابهة لأحداث عامي 2008 و2009، عندما سبق الهبوط في أسعار أسهم الشركات النفطية الانخفاض الحاد في أسعار النفط.
الأسواق لا تزال متوترة، إن الأزمة في منطقة اليورو لا تزال بعيدة عن الحل، والمخاوف تتزايد حول الاقتصاد العالمي. وسط هذا الغموض، من المتوقع أن تبقى أسواق النفط تسير مع الأسواق المالية الأخرى، باستثناء أي تطورات مهمة مثل حل النزاع الليبي وعودة الإنتاج.