رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الرحلة الليبية

في عام 1969 استولى القذافي، مع مجموعة من الضباط المتحمسين غير المؤهلين، على السلطة في ليبيا. بدأت ليبيا فترتها في الاستقلال الوطني بعد إقصاء النظام الملكي الموالي للغرب. استمعت إلى المؤتمر الصحافي الذي عقده الرئيس ساركوزي مع رئيس وزراء الحكومة الانتقالية محمود جبريل، فقفز إلى ذهني اكتمال تلك الرحلة، فبعد جيلين (42 سنة) تحت الحكومة الوطنية وتجربتها الفاشلة تعود ليبيا مرة أخرى إلى الأحضان الغربية. استولى الضباط على السلطة على خلفية ضعف الملكية والرغبة الشعبية في تأكيد الاستقلال واستنفار الشرعية الثورية. أداء حكومتهم الباهت لم يستطع القفز إلى مدار أعلى للشرعية، فسرعان ما تراكمت العيوب إلى حد السخط والثورة المسلحة.
تاريخياً كانت ليبيا من آخر الدول العربية (إذا استثنينا دول الخليج الصغيرة) التي تنال الاستقلال الفعلي، وهناك من يقول ليتها لم تنل الاستقلال. أصبحت فريسة لتجارب ونزوات معمر القذافي الغريبة. يحكى أن الرئيس عبد الناصر أرسل محمد هيكل لمعرفة حكام ليبيا الجدد على أثر حماسهم المنقطع النظير للقومية بصيغتها الناصرية، وبعد أن رجع هيكل الواعي بالإسقاطات الناصرية ذكر لعبد الناصر أن الإشكالية العظمى أن هؤلاء الضباط صدقوا ما نقول إعلامياً. كانت فرصة تاريخية لمعمر، فشعب ليبيا متجانس وقليل وقريب من الغرب ولديه موارد نفطية، لكن سوء الأداء كان أكبر من أي ميزة نسبية أو غير نسبية.
أصبح الليبي في ضيق من أداء حكومته وفي خجل من نزوات قائده، فاكتملت دائرة أخرى في حكم الليبيين على أداء حكومتهم. مجيء سيف الإسلام كان متأخراً ولم يعطه ملك ملوك إفريقيا فرصة لعودة ليبيا إلى دائرة الممكن بدلا من التحليق في التنظير على حساب الأداء الداخلي. تفاءل البعض حول الرغبة الإصلاحية ("الاقتصادية" مقالة للكاتب عدد 4894 تاريخ 6 مارس 2011؛ حين تساءلت: هل يمكن أن يأتي إصلاح من ليبيا؟) لكنها أتت شكلية وبعد أن أصدر الليبيون الحكم على الأداء الحكومي برمته.
السياق التاريخي تغير ومطالب الليبيين وسقف توقعاتهم ارتفع، لكن التركة الثقيلة والبنية التحتية مؤسساتياً ومادياً التي تركها القائد المظفر هزيلة. لذلك فإن معركة البناء القادمة ستختبر كفاءة، ليس النخبة الجديدة فحسب، بل القدرات التنظيمية والوعي بالمرحلة واستحقاقاتها لدى الشعب الليبي. في الأخير ليبيا بلاد نفطية واستحقاقات الاقتصاد الريعي معروفة وعادة ما تكون طاردة للتنمية الحقيقية، حيث إن التوقعات تكون توزيعية واستهلاكية لمواجهة الضغط العام المتوقع شعبياً ودولياً. فمثلا لن تعود القدرات النفطية كما كانت قبل الثورة حتى 2013، سيكون الامتحان عسيراً لاستحضار وتحقيق تنمية متكاملة وليس مثالية، ولكن واقعياً لن تكون ليبيا أسوأ من نظام القذافي. اكتملت الرحلة الليبية بنهاية حقبة مريرة في الاستقلال الوطني، وعسى أن تكون العودة إلى أحضان الغرب لمصلحة الليبيين لحين ترتيب الأولويات لبناء دولة حديثة. لعل الدرس التاريخي من التجربة الليبية حقيقة أن الشرعية تآكلت بسبب سوء الأداء الحكومي.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي