أنظمة تتحكم .. لا تحكم
هذه خلاصة المشهد الثائر في الشارع العربي. الأنظمة التي جاءت تتحكم بمصائر الشعوب إجبارا وقمعا وإرهابا وتغتصب الحكم اغتصابا باسم الشعب وباسم النظام الجمهوري لا يمكن أن تدوم لأن فيها بذرة تغييرها وهي كرهه الناس ومقتهم إياها. هذه الأنظمة العسكرية الجمهورية الملكية تتحكم ولا تحكم، تسيطر ولا تقود، تُكره ولا تدعو، وتذل ولا ترفع. وشتان بين التحكم والإجبار والحكم بالعدل المساواة؛ ولذا لا يمكن الخلط بين اغتصاب الحكم وفرض قيم وأسلوب لا يرتضيه المجتمع والحكم الرشيد المبني على التوافق وعقد اجتماعي يحفظ القيم ويحقق السلم الاجتماعي والازدهار الاقتصادي. إن الحكم في أساسه هو من أجل سياسة الناس في أمورهم العامة وتحقيق مصالحهم الجماعية التي لا يمكن تحقيها إلا من خلال الإجماع. وتصل النظم السياسية إلى أعلى درجات النضج عندما تعمل من أجل الناس وبالناس، بحيث تكون الدولة هي الناس والناس هي الدولة. ولا ينبغي في هذا السياق أن يكون النظام ديمقراطيا في شكله متبعا النموذج الغربي ليكون هذا التلاحم والانصهار بين الحكومة والناس، وإنما شريعة يرتضيها الناس للسلطة العامة تحقق العدل والمساواة والحرية والكرامة وتحفظ الحقوق والصالح العام. فالعبرة بالنتائج لا بالإجراء وبما ينسجم مع القيم الداخلية للأفراد، والحديث هنا موجه لأولئك الذين افتتنوا بالديمقراطية الغربية وهم لا يلامون في ذلك، فمن جهة يرون التقدم المادي والمعاملة الموضوعية واحترام القانون والشفافية والمساواة في مقابل تأخر الأمة الإسلامية في الكثير من مناحي الحياة بسبب تعطيل تطبيق الشريعة الإسلامية وتخلى الناس عن قيمها العظيمة، وبعدما طال عليهم الأمد عابوا عليها أنها لا تحقق التطور المنشود. والحقيقة أننا نعيب شريعتنا والعيب فينا. والأحداث التاريخية والإرث الثقافي والمادي أكبر شاهد بعظم الحضارة الإسلامية ومساهمتها في الحضارة الإنسانية، لكن المسلمين تخلوا عن منهجهم وفقدوا هويتهم فضعفوا واستكانوا وسيطر عليهم الأوروبيون فتأثروا بهم سياسة وإدارة وسلوكا ومنهجا، وهذه سنة الله في خلقه؛ فالمغلوب يتبع الغالب، كما يقول ابن خلدون. إن درجة إيمان الناس بالقيم التي يحملونها ويشتركون بها فيما بينهم تحدد درجة الوئام والانسجام في المجتمع حكاما ومحكومين. عندها فقط تكون السلطة العامة لرعاية المصالح العامة التي لا يمكن أن يحققها الأفراد بمفردهم، فالناس مجبولون بفطرتهم على تقديم مصالحهم الخاصة على المصلحة العامة؛ ولذا هناك حاجة إلى طرف ثالث يضمن عدم تعدي أي طرف في المجتمع على حقوق الآخرين. إن ما يميز الشريعة الإسلامية كأسلوب حكم هو اندماج المصالح الفردية مع المصالح العامة في إطار من القيم المعنوية وليس المادية فقط كما في الحالة الغربية. ليكون هناك رقابة ذاتية من داخل الفرد المسلم في ألا يخون الأمانة ويستشعر عظمها التي أبت السموات والأرض والجبال أن يحملنها وأشفقن منها ليكون خطاب الرعية ''إذا لم يكن يرانا عمر فإن رب عمر يرانا''. وحديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - وتصويره المجتمع الإسلامي بالسفينة هو أبلغ تصوير للمصلحة المشتركة، وإن أفعال الناس لها تأثير متبادل فيما بينهم، سواء كان ذلك إيجابيا أو سلبيا، وبالتالي يتحتم على القائم على أمر المسلمين أن يعظم الإيجابيات ويقلل من السلبيات. والمسؤولية لا تقتصر على السلطة العامة وحسب، بل تشمل الجميع فالرجل كما جاء في الحديث النبوي راع في بيته ومسؤول عن رعيته، وهكذا كل في موقعة وحسب استطاعته ليكون المجتمع مجتمعا حيا منتجا ومتكاتفا مبنيا على التكامل وليس التنافس المادي وتحقيق المصالح الفردية، وإنما تنافس خيري يحب فيه المسلم لأخيه المسلم ما يحب لنفسه (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ)، وهذا يشمل العلاقة بين الحاكم والمحكوم ليكون العطاء والأخذ بحق منبعه الخيرية والرحمة؛ فهذا جوهر الرسالة المحمدية (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ).
هذه القيم العظيمة للإسلام تجعل نظاما سياسيا مثل النظام السعودي الذي يعمل جاهدا على تحقيق الشريعة حكما ومنهجا للحياة نظاما مميزا بهويته، على الرغم من التحديات الكبيرة للعولمة؛ ولذا يتوقع الآخرون في الوطن العربي من السعودية نظاما ومجتمعا الكمال والطهورية وينظرون إليها على أنها حصن الإسلام وحاضنة التقاليد العربية الأصيلة يصل حد أنهم يجوزون لأنفسهم الخطأ ولا يغتفرون لها أي قصور حتى وإن كان صغيرا. تصوروا معي ولو للحظة أن السعودية سمحت بفتح سفارة لإسرائيل ماذا سيكون ردة فعل العرب؟! سيستنكرون وينعتونها بكل أوصاف الخيانة، مع أن العرب من الخليج إلى المحيط يهرولون باتجاه العدو ويقيمون علاقة دبلوماسية وسفاراتها في العديد من العواصم العربية، فضلا عن الفلسطينيين أصحاب القضية تربطهم معاهدات سلام. أوردت هذا لأوضح نقطة أن النظام السعودي ذو مصداقية يقول ما يفعل ويفعل ما يقول، ليس لديه رياء سياسي وشعارات فضفاضة؛ لأنه واثق من هويته، حريص على مقدرات الأمة، يحكم ولا يتحكم؛ لأن هناك لحمة قوية فطرية بين الحاكم والمحكوم أساسها الشرع الحنيف والأعراف والتقاليد العربية. هذه الفضيلة السياسية لا تستطيعها الكثير من الأنظمة العربية التي انساقت وراء الغرب والشرق لتفرض على مجتمعاتها قيما ومناهج ما أنزل الله بها من سلطان، غريبة ومُستنكَرَة لا تنسجم مع قيم الأمة، يلفظها الناس ليكون السبيل الوحيد إجبارهم قهرا على تبني تلك القيم من خلال فوهات المدافع وعندها يكون التحكم والسيطرة وليس الحكم الرشيد الذي يرتضيه الناس. إن درجة التواصل والاتصال وقدرة النظام على التعلم والتطوير ومتابعة شؤون الرعية أساس في تحقيق الحكم الرشيد ويعكس اهتمام الحاكم بالمحكوم. الأمير سلمان أحد أهم أركان الحكم في السعودية الذي طالما رفض جملة الحاكم والمحكوم من منطلق أنه ليس هناك تمايز وأن الجميع عائلة واحدة يصر على تطبيق نهج الباب المفتوح في الوزارات والجهات الرسمية، وهو امتداد لتقليد أسسه الوالد الملك عبد العزيز - يرحمه الله - حين كان يدخل مجلسه جميع فئات الشعب دون تمييز ليقف على مسافة واحدة من الجميع ينادونه باسمه ''يا عبد العزيز'' دون ألقاب وكلمات منمقة ليقول كل مواطن مسألته، وربما قدم اعتراضه وشكواه ليفتح بابا لحوار عفوي ولكنه راق، بسيط لكنه عميق المعاني. هذه العلاقة الفطرية الحميمية بين الحاكم والمحكوم وحرص الطرفين على ديمومتها ما يجعل ممارسة السلطة العامة في السعودية للحكم وليس التحكم الجائر. وربما كان على الناظر في الأحداث التي يشهدها الوطن العربي التفطن والتمييز بين الأنظمة الصالحة والطالحة وعدم الخلط فيما بينها، فالبنيان السياسي الذي يؤسس على الحق يدوم، أما ما يؤسس على الإكراه والتحكم فلا يلبث أن ينهار ويتلاشي بين ليلة وضحاها كأن لم يكن.