رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


عيدكم مبارك .. وهكذا يفرح الإنسان

تتجلى فرحة الصائم في لحظات الإفطار، ذلك أن الامتناع عن كل ما قد أدمنا تناوله وفعله ليس أمرا سهلا على النفس البشرية، بل تحد عظيم لها وهي تُمانعه بشدة. فهو صراع بين المادة والروح التي تسري فيها. صراع التحدي لإثبات القيادة ومن بيده مفاتيح الحياة. في الصيام تتجلى قوة الروح وغلبتها على المادة، تتجلى عبقريتها في قيادة الإنسان وبسط سيطرتها على تصرفاته. في الصيام يتخلخل ميزان الإنسان، فالروح التي بسطت سيطرتها فعلا وخضعت الجوارح لأمرها أصمت أذنيها عن المادة التي لم يبق لها سوى الأنين. وعند لحظات الإفطار يعود التوازن وتتعانق الروح والمادة وتتفق المصالح على أن تسمح الروح للجسد بتلبية طلبات المادة الصارخة فيه، فيشعر الإنسان مع كل تلك المصالحة بشعور رائع من السعادة والهدوء والسكينة، على أن المادة تعاود تمردها مع مرور ساعات الليل وتحاول العودة إلى مناصب القيادة الإنسانية، فيأتي السحور كإعلان جديد بعودة القيادة المطلقة للروح وعلى المادة الرضوخ لذلك، وهكذا يمر شهر رمضان في صراع بين رغبات المادة وقوة وعلو همة الروح التي تصر أن يسمو الإنسان فوق مادته ويخضع لروحه. يأتي صباح العيد غريبا جديدا فقد توقف ذلك الصراع ليتأمل الإنسان نتائجه على نفسه. وبقدر ما سمح الإنسان لروحه أن تبسط سيطرتها على مادته طوال شهر كامل بقدر ما ستتمكن من التدخل في الوقت المناسب لتصحح أخطاء المادة وكوارثها خلال عام كامل. العيد مصالحة جادة بين الإنسان وروحه.
يأتي العيد بفرحة ذلك التواصل والتصالح ولن تكون تلك الفرحة حقيقية ما لم يكن التواصل والتصالح حقيقيا (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)، أولئك الذين لم يحققوا للروح سيطرتها الكاملة على إنسانيتهم في هذا الشهر العظيم لن يشعروا للعيد بفرحة ولا معنى، بل مجرد إجازة ومراسم غير مرغوب فيها. إن فرحة العيد هبة من الرحمن (للصائم فرحتان)، ولأن الفرحة دائما للروح وليست للمادة، لذا لن تشعر بها الأرواح التعسة التي فشلت في أن تسيطر على إنسانها. وإذا كان الله وهبنا رمضان كي نسعد الأرواح التعسة طوال أشهر، فإن منا من تظل روحه تعسة مع انقضاء الشهر وتفشل في الوصول إلى فرحتها - هديتها الإلهية - وستظل في حزنها ذاك حتى يعود لها رمضان. فلم يعد لها أمل أو لديها مجال لتمتلك زمام الأمر أو أن تصحح للإنسان أخطاءه في الشهور التالية وقد فشلت في رمضان، بل ستظل في ظلها مختبئة منبوذة وتظل المادة بعنفوانها وشياطينها (شياطين الإنس)، ستظل هذه الروح مكبوتة حزينة ويظل الإنسان الذي فشل في الوصول إلى فرحة العيد حزينا بعده غير متوازن فروحه مكبوتة تتطلع إلى دورها ومكانها فيه، ومهما حقق ذلك الإنسان من نجاح مادي سيظل ينظر لنفسه كمحروم.
إن فرحة العيد هي فرحة الإنسان بتوازنه، فلم تعد الروح وحدها هي التي تهمين عليه الآن، كما كانت طوال شهر رمضان – فلا ملذات مادية حلال ولا إحساس بالشبع. ولم تعد المادة وحدها هي المسيطرة – فلا روح تسمو عن الأخطاء و الجرائم و الفواحش والظلم. هذا التوازن هو اختبار الإنسان في هذه الحياة وتحقيقه والنجاح فيه بسيط بقدر بساطة فجر يوم العيد وواضح بقدر وضوح شمسه. وسنكون سعداء حقا عندما نعطي كل ذي حق حقه بدءا من أنفسنا وانتهاء بعابري السبيل. إن قضية الإسلام الحقيقية هي في تحريم الظلم، الذي يأتي في الإسلام كمصطلح عام يشمل ظلم الإنسان لنفسه حتى بالشرك بالله (إن الشرك لظلم عظيم) وظلمه لها بتغليب جانب على جانب (ظلم الرهبانية عندما تتغلب الروح وحدها وظلم الحيوانية عندما تتغلب الشهوات وحدها)، ظلمه لحقوق الآخرين في الحياة من حوله حتى الحيوانات والنباتات، بل حتى الطريق ''يا عبادي إن حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا''. إن فرحة العيد، بل فرحة الإنسان الخالدة معه بعد العيد، هي في تحرره من هذه الظلمات.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي