رحلة سورية إلى المجهول
بدأ الحراك الشعبي السوري بمطالب أساسية للإصلاح ومحاربة الفساد المستشري في البلاد، حيث تسجل سورية مستويات فساد مرتفعة تضعها في قائمة أسوأ بلدان العالم فسادا، وذلك استنادا إلى تقارير المؤسسات الدولية المتخصصة في قياس مستويات الفساد. ولم تكن الحركة الشعبية السورية تطالب بإسقاط النظام في أول أمرها، لكن ردة فعل السلطات الحاكمة القمعية والقاسية والدموية ضد أطفال قصر في درعا كانت الشرارة التي أوقدت نيران الثورة العارمة التي تجتاح سورية. وأخبرني عديد من السوريين الذين تسنى لي الحديث معهم، بأن معظم الناس في سورية لم تكن تكره الرئيس السوري بشار الأسد أو تناصبه العداء قبيل الأحداث الأخيرة، لكن اعتقال وتعذيب صبية صغار في درعا على أيدي سلطات الأمن فجر نيران الغضب لدى عامة الناس في درعا، وباقي مدن سورية ومحافظاتها. وازدادت أخطاء النظام السوري من خلال تشديد القبضة الأمنية على محافظة درعا وإدخال الجيش بمعداته الثقيلة ضد المدنيين، ما فاقم من غضب أحرار سورية وأدى إلى تحرك المدن الأخرى ضد النظام. وتابع النظام السوري أخطاءه من خلال زيادة جرعات القمع والتنكيل والتعذيب ضد كل من يتجرأ على إبداء أي لون من ألوان معارضة النظام، بل لم يسلم من تسلط النظام وبطشه حتى من لم يبد أي معارضة له. ومع مرور الوقت، فقد النظام رشده وبدأ يتخبط يمنة ويسرة ويقتل الأبرياء ويهجرهم ويدمر ممتلكاتهم ويهدر أبسط حقوقهم الإنسانية. ووصل بطش النظام إلى الأطفال الرضع والقصر والمساجد، حيث تعمدت أجهزته الأمنية في مرات كثيرة قصف المساجد وهدم المآذن. وهناك أنباء كثيرة عن تعمد أجهزته الأمنية العبث بمحتويات وقدسية كثير من المساجد وكتابة شعارات تأييد النظام على جدرانه الداخلية والتي تصل في بعض الأحيان إلى الكفر والزندقة.
إن فقدان أي سلطة صوابها وتخليها عن احترام القوانين التي تحكم باسمها إثبات لفشلها في إدارة البلاد، ودليل قوي على انهيار شرعية وأخلاقيات هذه السلطة، فالواجب الأول لأي سلطات حكومية في أي بلد في العالم الدفاع عن النظام والقانون، وتطبيقه خصوصا على أجهزتها ومنسوبيها. وعندما تتعدى القيادات العليا والأجهزة الحكومية ومنسوبيها على الحقوق الأساسية للمواطنين وتخترق الأنظمة والقوانين بشكل واسع ومتكرر وبدون عقاب - كما يحصل في سورية - تضيع هيبة هذه القوانين وتصبح في حكم الملغية، وتصبح لا تساوي قيمة الحبر والورق الذي تكتب عليه. وبهذا تصل الدولة إلى أعلى مراحل الفساد، وتسود الفوضى، ويستخدم القانون فقط لخدمة مصالح المتنفذين والفاسدين.
ولا تلقى كل دعاوى الإصلاح وتعديل القوانين التي أصدرتها السلطات السورية بعد الحراك الشعبي آذاناً صاغية، لأن تجربة الشعب السوري الطويلة مع النظام أثبتت على مر السنيين أن لا قيمة للقانون، ولهذا لا يصدق معظم الناس في سورية أن هذه الإصلاحات ستنفذ على أرض الواقع، حيث يخترق القانون وقت إعلانه، بل إن صدور أي قانون إصلاحي يتزامن مع خروقات نوعية جديدة لحقوق البشر في سورية. وما تعدي السلطات السورية على الأطفال وعلى المساجد إلا إثبات واضح بأنه لا قيمة لأي قانون في سورية. فأي سلطة لديها أدنى التزام أخلاقي أو قانوني لا يمكن أن تتعدى على الأطفال والنساء والأبرياء، وأماكن العبادة. ولا توجد حكومة في العالم تقر التعدي على أماكن العبادة مهما كانت مخالفة لمعتقدات أغلبية سكان بلدانها، فكيف يتم انتهاك حرمة أماكن العبادة لأغلبية السكان كما يحدث في سورية. ولا يتعدى على براءة الأطفال والضعفاء وأماكن العبادة إلا المجرمون الشاذون الخارجون على القانون.
ويستبشر المسلمون في أصقاع الأرض كافة بمقدم شهر رمضان المبارك، لكن من المؤسف أن تعمد السلطات السورية إلى تعظيم مستويات القهر والبطش في هذا الشهر الكريم، ما يثبت استهتارها بشعبها وبكل الحرمات المكانية والزمانية والإنسانية. لقد كان حلول شهر رمضان فرصة لتبدي السلطات تسامحها مع شعبها المكبل بالقيود منذ استيلاء حزب البعث على السلطة في بداية الستينيات، لكنها اختارت تصعيدا دمويا لا محدودا أدخل سورية في دوامة عنف لا يعرف منتهاها. لقد تبنى الشعب السوري سلمية الحراك السياسي لكن إصرار النظام على التصدي الدموي لهذا الحراك يدفع إلى مزيد من المآسي لسورية وشعبها. وتحمل الشعب السوري كثيرا من التضحيات وسيتحمل المزيد منها، لكن ستأتي لحظة يضطر فيه الناس إلى حمل السلاح للدفاع عن أنفسهم. وعندما يحمل الشعب السلاح ستبدأ سلسلة طويلة من المآسي ستكون نتائجها كارثية على سورية وقد تؤدي إلى زعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة بأكملها. وقد بثت بعض قنوات التلفزة مقابلة حديثة للرئيس السوري، الذي يبدو - بعد كل الأحداث التي مرت بها سورية في الأشهر الأخيرة - مزهوا بالممارسات الشرسة لقوات أمنه، وبعيدا كل البعد عن التجاوب مع آمال وتطلعات شعبه، وهذا الموقف سيدفع وبلا أدنى شك بسورية في رحلة مضنية وقد تكون طويلة إلى المجهول.