رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


هل المصرفية الإسلامية مثل التقليدية؟

كما هو معلوم أنه خلال الفترة الماضية من عمر المصرفية الإسلامية التي نمت وتطورت بشكل متسارع، والتي أسهمت في الإقبال الكبير على الخدمات التمويلية للأفراد، خصوصا بعد توسع البنوك في المملكة في تقديم التمويل الذي تقدمه على أساس أنه متوافق مع الشريعة، وقد شهدت بعض هذه العمليات نقدا واسعا من قِبل كثير من الناس، على أساس أن هذا التمويل لا يختلف كثيرا في شكله ونتيجته عن التمويل التقليدي وهو القرض بفائدة، والذي يعتبره غالبية العلماء أنه صورة من صور الربا المحرم مثله مثل جريان الربا في الذهب والفضة.
والحقيقة أن النقد لهذه المعاملات برز من خلال بعض البرامج التلفزيونية في مسلسل طاش ما طاش لهذا العام، والذي تناول من خلال إحدى حلقاته هذه القضية ليبرز جانب النقاش في هذه المسألة على مستوى عامة الناس على أساس أن معاملات المؤسسات المالية الإسلامية لا تختلف عن المعاملات التقليدية، بل قد تكون أكثر تكلفة وأشد تعقيدا من المؤسسات المالية التقليدية، والذي يجعل من مصلحة العميل التعامل مع التمويل التقليدي بدلا من التمويل المتوافق مع الشريعة، إضافة إلى أن البرنامج تناول القضية من جانبها الشرعي، حيث يقدم أحد الممثلين نفسه على أنه أستاذ جامعي متخصص يرى بأن القول بربوية المعاملات البنكية أمر لا أساس له في الفقه الإسلامي، وأنه يخالف منهج المذاهب الأربعة، وذلك بقياس الورق النقدي على الفلوس التي كان يستخدمها الناس أحيانا في المعاملات المتناهية في صغر قيمتها، حيث لا يمكن استخدام الذهب والفضة في تلك المعاملات. إضافة إلى الإشارة إلى صورة نمطية لأعضاء الهيئات الشرعية، والتي تسعى من خلال مصلحتها للحصول على عوائد مالية كبيرة إلى تلبية رغبة كبار مسؤولي البنوك من خلال إيجاد المخارج والحيل لتحقيق رغباتهم.
والحقيقة أنه لا يخفى أن هذه الحلقة أثارت اهتمام كثير من المتخصصين، بل وبعض أعضاء الهيئات الشرعية، وغالب المهتمين بالمصرفية الإسلامية، وعموم المستفيدين منها، وقد ظهر ذلك من خلال بعض المقابلات مع المختصين وأعضاء الهيئات الشرعية، وتعليقات عموم القراء؛ مما يؤكد أن هذه القضية فعلا حديث كثير من الناس الذين على الأقل سبق لهم التقدم بطلب تمويل من البنوك.
ويبقى أن هذا البرنامج وإن كان له دور في إبراز هذه القضية على أساس أنها قضية مجتمعية، إلا أنه في الجانب العلمي يوجد مجموعة من الملاحظات، ومن خلال التصور العام دون التدقيق في تفاصيل مضمون البرنامج يمكن الإشارة إلى بعض الأمور التي تفيد القارئ منها:
أولا: مسألة ربوية النقود وربطها بالفلوس (وهي عملة نقدية متناهية الصغر في قيمتها تصنع من النحاس غالبا) الموجودة في عصور سابقة، والاستناد إلى فتاوى بعض العلماء عند بدء نشأة النقود لا يمكن الاعتماد عليه في الحكم على النقود لعدة أمور، منها: أن الفلوس تختلف تماما عن النقود الورقية، فهي تختلف من جهة قيمتها واستخداماتها وثقة الناس فيها. فهي أشبه اليوم بالهلالات أو الريال المعدني الذي لا يستخدم غالبا في السلع ذات القيمة المتوسطة أو العالية، فلا تقدم قيمة السيارات والأراضي بل وبعض الأجهزة والمواد الغذائية غالبا بهذه الهلالات، كما أن شراء البيوت والسلع في السابق لا تتم بالفلوس. والاعتماد على هذا الأساس للقول إن المذاهب الأربعة لا ترى ربوية الورق النقدي لا يمكن أن يعتمد عليه؛ إذ إن هذه المسألة لم تعرض على المتقدمين منهم، أما عامة الفقهاء المعاصرين يقولون بربوية الورق النقدي حتى من الحنفية والحنابلة الذين يقولون إن العلة النقدية هي الوزن، وقد جاء عن الإمام مالك أن الناس لو اتخذوا الجلود نقودا في البيع والشراء لقلت إنه يجري فيها الربا، وهذا رغم أن الإمام مالك لم يشهد استخدام الورق النقدي، ولكنه تحدث عن بديل شبيه بالورق النقدي. أما فيما يتعلق بآراء العلماء في بدايات استخدام الورق النقدي قد يكون مبنيا على تصور مختلف عن طبيعة استخدام الورق النقدي اليوم، حيث كان الناس في المملكة ما زالت تعتمد في تلك الفترات على معدن الفضة، واستخدام الورق النقدي قد يكون ليس هو الأصل الشائع، ثم إنه قد يكون هناك شيء من القصور في التصور للورق النقدي، حيث كان مستخدما في الغرب، ومن قدم إلى المنطقة العربية من خلال الاستعمار، والبنوك الأجنبية، دون أن يكون هناك إحاطة مفصلة لطبيعة هذه النقود، خصوصا وأنها في تلك الفترة قد لا تكون معتمدا عليها لادخارها، علما بأن هناك كثيرا من العلماء قالوا بربويتها في تلك الفترة وهو سبب البدء في إنشاء البنوك الإسلامية عام 1963. والحقيقة أنه من خلال قراءة للأديان الأخرى أيضا سنجد أن لها رؤية مقاربة فيما يتعلق بفوائد البنوك؛ ولذلك تجد عند ترجمة كلمة usury والتي تعني الربا في الفقه الإسلامي أنها تحمل معنى سلبيا محرما يتناولون فيه حتى الورق النقدي والقروض بفائدة بشكل عام، وهناك مؤلفات تحدثت هذا الموضوع. ثم إن البنوك لا تقتصر في عقود القروض على الربا البسيط، حيث إن المقترض إذا تأخر في السداد تشترط عليه الزيادة في قيمة القرض وهذا عين ربا الجاهلية الذي قال الله فيه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً..)؛ ولذلك لا يمكن بأي حال من الأحوال تسويغ القروض بفائدة على أساس أنها جائزة، حتى وإن قيل إن هذه المعاملة لا تختلف عن معاملة البنك الإسلامي، والأولى إذا صح التشابه القول بتحريم المعاملتين بدلا من الاستناد إلى التشابه في القول بجواز القروض بفائدة.
ثانيا: لا شك أن هناك ملاحظات بشكل عام على المؤسسات المالية الإسلامية، والذي أسهم في إحداث تغيرات متتابعة على كثير من المعاملات، وهذا بجهود كبيرة من العلماء والمتخصصين، فلا يمكن القضاء على هذه الجهود من خلال نظرة سطحية لبعض المعاملات أو التجاوزات من بعض البنوك.
ثالثا: إن الحكم على النظام المالي الإسلامي لا يمكن أن يتم من خلال بعض الأخطاء في التطبيق، فالدراسات المتعلقة بوضع أُطر النظر النظام الاقتصاد والمالي الإسلامي ينبغي أن تكثف فيها الجهود والدراسات والبحوث لتسهيل التزام المؤسسات المالية في تطبيقه، خصوصا أن الأزمات المالية العالمية المتلاحقة شهدت بمتانة هذا النظام رغم ضعفه حاليا.
رابعا: فيما يتعلق بالهيئات الشرعية فلا شك أنه من المهم إعادة هيكلة إجازة المنتجات والخدمات للحد من تضارب المصالح، ولكن نقدها ينبغي أن يكون بموضوعية وليس من خلال ربط الخلل فيها بناءً على ارتفاع ما يتقاضاه أعضاؤها؛ إذ إن ذلك طعن غير مقبول في نزاهتها.
خامسا: ينبغي أن يكون التصور للمصرفية الإسلامية من خلال المفهوم الشامل لها من خلال النظر إلى مختلف تطبيقاتها فيما يتعلق بعقود المشاركة والاستصناع والسلم وغيرها والتي تحقق تنمية حقيقية في المجتمع وتسهم في علاج مشكلات مثل الإنتاجية والبطالة، وتحقق العدالة في التعامل بين جميع الأطراف في العقد، بدلا من النظر إلى المصرفية الإسلامية من زاوية التورق.
وأخيرا: لا بد من الاعتراف بأن المصرفية الإسلامية بوضعها الحالي لا تحقق طموح المجتمعات المسلمة، ويقع على عاتقها متطلبات مهمة وكبيرة لتطور من عملها، وتبرز استقلال هويتها وتطبيقاتها عن الأنموذج التقليدي.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي