الغاز الطبيعي إلى سوائل Gas To Liquids: الآفاق والتحديات (2 من 2)

في هذا الجزء سيتم التطرق إلى الآفاق المستقبلية لتقنية تحويل الغاز الطبيعي إلى سوائل.
في هذا الجانب تعد تقنية تحويل الغاز الطبيعي إلى سوائل Gas To Liquids البديل المحتمل الأكثر جاذبية، وذلك لسببين. الأول هو ارتفاع أسعار النفط الذي يوفر حافزا رئيسا في هذا المجال. إن قيمة احتياطيات الغاز العالقة من الناحية الاقتصادية لا تساوي شيئا، بل إنها حتى سلبية في حالة الغاز المصاحب إذا ما لم يتم حرقها. مع ارتفاع أسعار النفط، خصوصا إذا ما تأكد استقرارها عند هذه المستويات على مدى الـ20 عاما المقبلة، فإن المردود المحتمل من هذه التقنية سيزداد، وتصبح تقنية تحويل الغاز الطبيعي إلى سوائل خيارا أكثر جاذبية مقارنة مع تقنيات التحويل الأخرى، مثل الغاز الطبيعي المسال، الذي لا يتمتع منتجه بقوة السعر نفسه. لسوء الحظ ارتفعت تكاليف مشاريع الطاقة الكبيرة هي الأخرى، بما في ذلك تكاليف مشاريع تحويل الغاز إلى سوائل، جنبا إلى جنب مع ارتفاع أسعار النفط والمواد الأولية الأخرى.
ثانيا، مثل باقي تقنيات التحويل الأخرى تعمل تقنية تحويل الغاز إلى سوائل على تكثيف محتوى الطاقة للغاز لجعله أرخص للنقل. لكن في حالة GTL التركيب الكيماوي للنواتج مشابه كيماويا لأنواع الوقود المشتقة من النفط، لذلك المنتجات المصنعة synthetic oil من منشأة تحويل الغاز إلى سوائل توفر قيمة اقتصادية أعلى مقارنة مع باقي التقنيات. لالتقاط هذه القيمة الأعلى بصورة أفضل، يجب إضافة وحدات للتحسين upgrading equipment ضمن المشروع، لكن هذه الوحدات تمتاز أيضا بارتفاع التكلفة الرأسمالية والتشغيلية، ما يتطلب إنشاء وحدات كبيرة لجعلها اقتصادية، بالتالي تحتاج إلى مصادر غاز على نطاق واسع وكبير. مع ذلك، ومن حيث المبدأ يمكن استخدام البنية التحتية النفطية المتوافرة لنقل منتجات عملية تحويل الغاز إلى سوائل، ما يسهم في خفض التكاليف. بالنسبة للجيل الجديد من وحدات تحويل الغاز إلى سوائل الصغيرة الحجم المتنقلة، يمكن استغلال هذا التوافق بالبنية التحية عن طريق مزج المنتجات المصنعة synthetic oil مع النفط الخام. في الوقت نفسه تواجه الوحدات الصغيرة تحديات اقتصادية لصغر حجمها، لكن إذا تم التغلب على هذه التحديات عن طريق تطوير تقنيات جديدة أكثر كفاءة، فإنها ستمثل فرصة مهمة لاستثمار مصادر الغاز العالقة الصغيرة والمبعثرة.
لقد تجدد الاهتمام العالمي بالمنتجات النفطية المصنعة، خصوصا بعملية تحويل الغاز إلى سوائل، منذ أوائل تسعينيات العقد الماضي، عندما بدأ مشروعان من هذا النوع بالعمل هما: مشروع شركة موس - غاز في جنوب إفريقيا ومشروع شركة شل في ماليزيا، الذي استمر في العمل منذ عام 1999. الطاقة الكلية للمشروعين نحو 50 ألف برميل في اليوم، حيث أثبت هذان المشروعان أن تقنية تحويل الغاز إلى سوائل يمكن تطبيقها على نطاق تجاري، على الرغم من أن اقتصاديات المشروع لا تزال غير مؤكدة بالكامل. بعد ذلك تم الإعلان عن العديد من المشاريع الكبيرة من هذا النوع، لكن تم تنفيذ ثلاثة منها فقط لحد الآن.
مصنع أوريكس ساسول في قطر الذي اكتمل العمل فيه في عام 2006، لكن فترة التشغيل التجريبي استمرت لفترة طويلة بسبب بعض المشاكل الفنية، لم يحقق المشروع طاقته الإنتاجية القصوى (34 ألف برميل في اليوم) حتى أواخر عام 2009. والمشروعان الآخران، هما: مشروع ساسول شيفرون بطاقة 34 آلف برميل في اليوم في اسكرافوس في نيجيريا ومصنع اللؤلؤة Pearl لشركة شل في قطر. مشروع اللؤلؤة في قطر يعد أكبر مشروع في العالم لتحويل الغاز إلى سوائل: طاقته القصوى 140 آلف برميل في اليوم، أكثر من ضعف الطاقة العالمية الحالية.
الفرص المتاحة لمشاريع كبيرة من هذا النوع محدودة، تواجه منافسة واقتصاديا هامشية، وتحتاج إلى مصادر للغاز الطبيعي كبيرة جدا. لتحقيق الجدوى الاقتصادية لمثل هذه المشاريع، يجب أن تستفيد التقنيات التقليدية لتحويل الغاز إلى سوائل استفادة كاملة من المزايا التي يوفرها لها كبر الحجم، منها توفر احتياطيات ضخمة من الغاز الطبيعي، لكنها تواجه منافسة في تطوير تلك المصادر من خطوط الأنابيب أو الغاز الطبيعي المسال.
على افتراض أن العمر التشغيلي للمشروع 20 عاما والحد الأدنى للطاقة الإنتاجية 35 ألف برميل في اليوم، فإن حجم الاحتياطي من الغاز لتغذية مثل هذا المشروع يجب أن يتجاوز تريليوني قدم مكعب، لكن نحو 4 في المائة فقط من حقول الغاز في العالم و2 في المائة من حقول الغاز العالقة كبيرة بدرجة كافية لتشغيل وحدات من هذا الحجم لتحويل الغاز إلى سوائل. لو أمكن تخفيض الطاقة الإنتاجية إلى ألف برميل في اليوم مثلا والعمر التشغيلي إلى عشر سنوات، فإن احتياطيات الغاز المطلوبة ستكون في حدود 40 مليار قدم مكعب، عدد الحقول العالقة بهذا الحجم تقدر بنحو ثلاثة آلاف حقل. إن الاكتشافات الغازية من هذا الحجم هي أكثر احتمالا لكي تكون مصادر عالقة من تلك التي بحدود تريليوني قدم مكعب؛ لأنه من الممكن استغلال الحقول الكبيرة عن طريق الغاز الطبيعي المسال أو خيارات التطوير الأخرى، وبالتالي، فإن الفرصة البديلة المتاحة اقتصاديا لاستثمار هذه الحقول بتقنية تحويل الغاز إلى سوائل سوف تكون أقل.
لاستغلال احتياطيات الغاز الصغيرة العالقة بصورة اقتصادية يفضل استخدام وحدات تحويل الغاز إلى سوائل الصغيرة المتنقلة بطاقات إنتاجية تتراوح بين خمسة آلاف و15 ألف برميل في اليوم، الجدوى الاقتصادية لمثل هذه الوحدات ستكون مدعومة بالفرق بين تكلفة المواد الخام من الغاز وأسعار النفط المرتفعة نسبيا.
إن وحدات تحويل الغاز إلى سوائل الصغيرة المتنقلة توفر حلولا مناسبة لاستثمار موارد الغاز الطبيعي المصاحب الذي لا يتوافر له بنية تحتية لعمليات التجميع والنقل، سواء كان على اليابسة أو في المياه، خصوصا في المياه العميقة. بل في بعض الحالات تشكل هذه الموارد تكلفة سلبية على المشروع، خصوصا في حالة عدم السماح بحرق الغاز المصاحب. في حالة عدم وجود بنية تحتية للغاز يسهل الوصول إليها، يشكل الغاز المصاحب مشكلة أيضا، حيث إن قيمته في كثير من الأحيان لا تكون كافية لسد تكاليف المعدات اللازمة لجمع هذا الغاز ونقله إلى الأسواق أو إلى المجمعات القريبة. في الماضي كان الغاز المصاحب من هذا النوع إما يحرق أو يتم إطلاقه إلى الجو، لكن هذه الممارسة أصبحت الآن غير مقبولة على نحو متزايد، بالنسبة لشركات النفط وللحكومات على حد سواء. مع ذلك، لا تزال هناك كميات كبيرة من الغاز المصاحب يتعين حرقها.
إلى جانب عملية حرق الغاز، تستخدم تقنية إعادة الحقن كخيار آخر للتخلص من الغاز غير المستخدم، لكن عملية إعادة الحقن تتطلب تكلفة أيضا. في هذا الجانب يمكن استخدام وحدات تحويل الغاز إلى سوائل الصغيرة المتنقلة للقضاء على هذه التكاليف، فضلا عن زيادة عائدات الإنتاج، عن طريق تحويل الغاز المصاحب المنتج إلى سوائل ذات قيمة عالية.
إن السباق لتطوير تقنية فيشر تروبش Fischer-Tropsch للمفاعلات الصغيرة هو تقريبا ينافس الجهود المبذولة لتطوير التقنية وتحسين الكفاءة للمفاعلات الكبيرة. يجري البحث والتطوير لتطوير المفاعلات الصغيرة على محورين رئيسين: تقليص حجم التقنية التقليدية وتطوير تقنيات مبتكرة أمثل للمفاعلات الصغيرة الحجم.
تتفاوت تكلفة مشاريع تحويل الغاز إلى سوائل تبعا لنوعية التقنية المستخدمة في الإنتاج، حجم المفاعل، ومواصفات المنتج المسوق. الجدوى الاقتصادية لهذه المشاريع تتأثر في الغالب من جانب أربعة عوامل رئيسة، هي: التكاليف الرأسمالية للمشروع، تكاليف التشغيل بما في ذلك تكلفة الغاز المستخدم وسعر النفط الخام، والنظام الضريبي. وفي المتوسط تحتاج هذه المشاريع إلى أسعار نفط في حدود 55 إلى 75 دولارا للبرميل أو أكثر في بعض الحالات لتصبح اقتصادية.
من المتوقع أن يزداد الإنتاج من مصادر السوائل النفطية المصنعة synthetic oil من الغاز الطبيعي Gas To Liquids في كل من: قطر، أستراليا، ماليزيا، ونيجريا ودول أخرى. حيث من المتوقع أن يزداد الإنتاج من السوائل النفطية المصنعة من الغاز الطبيعي Gas To Liquids إلى نحو 180 ألف برميل في اليوم خلال عام 2011 وإلى ما يقرب من 300 ألف برميل في اليوم بحلول عام 2015 وإلى 0.4 مليون برميل في اليوم بحلول عام 2020. ومن المتوقع مزيد من النمو في السنوات التالية، والوصول إلى 0.7 مليون برميل في اليوم بحلول عام 2030. هذه التوقعات هي أقل بكثير من ما كان متوقعا قبل خمس سنوات، لكن مع تطوير الجيل الجديد من المفاعلات الصغيرة المتنقلة يمكن لهذه الصورة أن تتغير في المستقبل ويعود التفاؤل مرة ثانية إلى توقعات الإنتاج لهذه التقنية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي