أوهام حول البنوك الإسلامية
على هامش ندوة البركة المصرفية المنعقدة في جدة خلال الأيام الماضية، انتقد الشيخ عبد الله المنيع، عضو هيئة كبار العلماء والمستشار في الديوان الملكي مسلسل طاش ما طاش على حلقة تعرض فيها بالنقد لممارسات تحدث فيما استقرت تسميته بالبنوك الإسلامية، أو المصرفية الإسلامية. المصدر جريدة ''الاقتصادية''، عدد 12 رمضان الموافق 12 آب (أغسطس) الحالي. لم أشاهد الحلقة ولكني أعتمد على ما قالته الجريدة.
ومما انتقدت فيه تلك البنوك، وفقا للجريدة، ممارسات التورق، والتي تجعلها (عند المنتقدين) ممارسة لا تختلف حقيقتها عما تمارسه البنوك التقليدية.
وقد سمعت الشيخ المنيع ينتقد من يساوي بين ممارسات البنوك التقليدية والبنوك الإسلامية متجاهلا أن فوائد الأولى (البنوك التقليدية) تزيد عند التخلف عن السداد. ولكني أقول لنفترض أن بنكا تقليديا مول أو أقرض مباشرة بفائدة، ولم يتقاض زيادة عليها في حال أن المتمول أو المقترض تخلف عن السداد في موعده. هل هذا الصنيع يحول البنك إلى إسلامي؟ لا.
على أية حال، المقال ليس لمناقشات فقهية. ولنتناول نقدا أعم ذا طبيعة اقتصادية. ينتقد الكثيرون البنوك الإسلامية كونها تتقاضى أرباحا قد تفوق ما تتقاضاه البنوك التقليدية. ويرى المنتقدون، أنه كان يتوقع من البنوك الإسلامية ألا تنظر إلى تعظيم الأرباح كما تنظر البنوك التقليدية وغيرها من المنشآت التجارية.
وفي إطار النقد السابق، كتب كثيرون موصين البنوك الإسلامية بإعطاء اهتمام كبير للزكاة، وتشجيع المشاركين والمتعاملين مع البنوك على إخراج زكاتهم وإنفاقها في مصارفها الشرعية. وأوصى آخرون تلك البنوك بدعم إقامة المستشفيات ودور الأيتام والمساجد وغيرها من أوجه النفع العام للمسلمين والاستعانة في ذلك بأموال الزكاة والخيرات والنفع العام.
وكتب فريق ثالث متحدثا عن المطلوب من البنوك الإسلامية. ومما قيل إنه ينتظر منها تعويد الناس كيف ينفقون أموالهم، وأن تساعد على توفير وسائل الإنتاج للقادرين، حتى لا يكون هناك بطالة حقيقية أو بطالة مقنعة، وأن تعطي قروضا حسنة، وأن تمنح تمويلا بشروط ميسرة.
هذا كله وهم في وهم. المصارف الإسلامية مثلها مثل المصارف التقليدية تهدف إلى الربح، ولا يصلح أن نفترض أنها لن تخضع للمعايير التي تحكم سلوك المنشآت التجارية.
لماذا؟ لنرجع إلى الأصول.
ما الذي تفيده زيادة أو إضافة كلمة إسلامي إلى كلمة مصرفية أو مصارف؟
إضافة أو زيادة كلمة إسلامي إلى كلمة أخرى لا تقلب معنى الكلمة الأخرى إلى معنى آخر، بل تعني المعنى المعهود في الذهن للكلمة الأخرى موصوفا بأنه إسلامي. إضافة كلمة إسلامي تعطي قيدا بأنه يقدم الخدمات المصرفية مأخوذا في عين النظر ألا تخالف الشريعة. ولكنها لا تعني أن ممارسة هذه الأعمال تحمل بعدا غير تجاري. وقد تستغل تلك البنوك ظروفا بعينها (كوضع احتكاري) لتحقيق أرباح فوق العادة. وهذا ممكن وقوعه في أي ممارسة تجارية، بغض النظر عن الدين والمذهب.
وللتوضيح أضرب مثالا. المنشآت التجارية الأخرى كالمطاعم والفنادق (في غالبية الدول) تقدم خدمات كثيرة، أكثرها مباح، وقلة منها تحرمه الشريعة، وحين يمتنع بعضها عن تقديم الخمر مثلا، فإنه ينبغي ألا نستنبط من ذلك أنها أعطت الربح أهمية أقل من المنشآت الأخرى.
لنفهم الموضوع من زاوية أخرى.
علم الاقتصاد عالمي، والممارسة الاقتصادية (في البشر) عالمية. ذلك لأن هناك معايير وأصولا مشتركة بين البشر بغض النظر عن أديانهم.
ولعلي أسرد هناك أهم معايير وأصول علم الاقتصاد. حب الاستزادة من متاع الدنيا، وكون الموارد لها حدود ومقادير، أي أنها ليست متاحة بلا حدود فهذا في الجنة فقط. ومن المعايير الاختيار وحق الملكية الخاصة وأهمية التنظيمات والقوانين والنظم ودور الحوافز والاستفادة من التبادل.
تلك المعايير أو الأصول السابقة تعبر عن صفات بشرية، بغض النظر عن الدين أو الموقع الجغرافي، ولكن تظهر أحيانا خلافات في تفاصيل. وتلك المعايير كما أنها تحكم سلوك الأفراد، فهي تحكم سلوك المنشآت التجارية، إسلامية أو غير إسلامية.
عندما بدأت البنوك الإسلامية في الظهور، كانت الفكرة لدى المهتمين بالمصرفية الإسلامية آنذاك هو أن هذه البنوك ينبغي أن تهتم بالاستثمار طويل الأجل، وأن تسهم في تنمية البلاد الإسلامية بصورة أفضل من البنوك التقليدية. هذا لم يحصل ولن يحصل. بل يمكن أن يحصل هذا في مصرفية حكومية أو شبهها (بنية مؤسسية تمثل المجتمع).
البنوك ـــ إسلامية كانت أو غير إسلامية ـــ تبحث عن أعلى ربحية، مثلها مثل أي منشأة تجارية، والاستثمار قصير الأجل يوفرها بصورة أفضل من الاستثمار طويل الأجل. وكان من نتيجة ذلك أن أصبحت المرابحة هي الصورة السائدة، مما جعل التمويل المحض هو السائد، وليس الاستثمار بتحمل المخاطر. أي سيادة الطلب على العرض. وهذا التفضيل للمرابحة يتفق في روحه مع النمط السائد في البنوك التقليدية وخاصة أن غالبية المصرفيين العاملين في حقل المصارف الإسلامية أتوها من بنوك تقليدية، أو أن المصرفية الإسلامية تشكل جزءا من بنوك تقليدية تتعامل بالفائدة ففضلوا المرابحة على غيرها من الصيغ.
طبعا معروف أن المال جبان، ولذا يفضل أصحاب الأموال عامل الضمان لأموالهم، على المشاركة في الربح والخسارة، مثلهم في ذلك مثل أصحاب العقارات يفضلون التأجير على المشاركة لأسباب لا تخفى على القارئ. وهذا ــــ حقيقة ــــ ينسجم مع معايير ومبادئ السلوك الاقتصادي التي سبق أن ذكرتها، وهي معايير تفترض أن الناس يعظمون مصالحهم بما يرونه الأنسب. خلاف أن المودعين أصحاب الأموال يفضلون سهولة السحب من أموالهم على مساعدة البنك في القيام بدور استثماري، وهذا كله يتفق تماما مع المعايير والمبادئ التي يقوم عليها علم الاقتصاد.
قد يرى البعض بأن البنوك الإسلامية أسوأ من التقليدية لأنها تحصل على أرباح أعلى من التقليدية نظير خدماتها، وهذا ــــ في نظري ـــ متعلق بمدى قوة المنافسة في سوق المصرفية الإسلامية.
وباختصار، أنشئت المصارف الإسلامية لتؤمن للمسلم الخدمات نفسها التي تقدمها المصارف التقليدية، مع تفادي التعامل بالحرام حسبما يفتي به الفقهاء، وينتظر منها المسلم في الوقت نفسه أن يتقاضى عائدات مجزية لمدخراته كباقي المؤسسات المالية. ومن ثم لا يمكنها العمل على تحقيق هدفين لا يسيران معا: تحقيق الأهداف السابقة وفي الوقت نفسه مراعاة النفع العام أكثر مما تفعله المؤسسات المالية التقليدية، وبالله التوفيق.