وجهان للسلطة في الوطن العربي
الضبط الاجتماعي وتحقيق الأمن من الأدوار الأساسية التي تضطلع بها الحكومات، بل هي المبرر الرئيس وراء نشأة الدول. فالناس يحتاجون إلى مؤسسات حكومية تحميهم من تعدي بعضهم على بعض وتحفظ حقوقهم وتحقق مصالحهم المشتركة وتوفر سبل الرفاهية الاجتماعية. وهذا الضبط الاجتماعي يحتاج إلى سلطة عامة ترتكز إلى قوة الإجبار ومخولة من المجتمع لفرض النظام وصناعة القرار العام؛ ولذا كانت قوة الإجبار تعني التسلط المشروع الذي يحقق العدل والتعاون والتكامل بين الناس ويهذب مصالحهم الفردية لتنسجم مع المصلحة العامة؛ فالأفراد في العادة يقدمون مصالحهم الذاتية على المصلحة الجماعية ويحتاجون إلى من ينهاهم ويصحح سلوكهم ويردهم إلى الإجماع، وربما كان حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أصحاب السفينة أبلغ في توضيح ذلك، وقد جاء فيه ''... فكان من في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا، فإذا تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً''. ولذا فإن السلطة العامة تقتضي عمليا تخلي الأفراد عن جزء من حرياتهم من أجل العيش المشترك وإدارة المجتمع وتحقيق الحرية الجماعية - إن صح التعبير. هذا التنازل عن الحريات الفردية يكون عبر ما يعرف بالعقد الاجتماعي، وهو أن الناس يتفقون فيما بينهم على صيغة توافقية يرتضونها لأسلوب الحكم وممارسة السلطة العامة. هذا الاتفاق قد يكون دستورا وضعيا مكتوبا أصيلا أو قد يكون مستوردا أو يكون مبنيا على تعاليم الشرع الحنيف. إنشاء الدستور وكتابته تقتضي ممارسته وتطبيق مواده وأحكامه وإلا كان كأن لم يكن، فالعبرة بالتطبيق نصا وروحا بما يحقق المنفعة الجماعية بالعدل والمساواة وليس شكليا وعلى الورق يميل لصالح فئة حزبية على حساب باقي فئات المجتمع. فكثير من الجمهوريات العربية على سبيل المثال لديها دساتير ضخمة تزخر بالمبادئ والقيم وتفيض بحسن المعاني والمقاصد وتزدان بقيم الشفافية والحرية والعدالة، ولكنها مع الأسف معطلة تستخدم فقط للاستهلاك والنفاق السياسي، بل ربما كانت أفعالها وهي التي تصف نفسها بالتقدمية عكس تلك القيم والشعارات الفضفاضة التي تدعيها، لتقمع الناس وتكمم أفواههم وتسلبهم أدنى حقوقهم وتمارس أبشع صور التنكيل المادي والمعنوي وتقتلهم باسم الشعب ومن أجل بعث الأمة!
وقد يختلط على البعض في ظل الأحداث التي تشهدها الساحة العربية في التمييز بين السلطة الخيرة والشريرة. السلطة الخيرة تسعى لتطبيق النظام لحفظ الحقوق والحريات واستتباب الأمن العام من أجل الصالح العام لينعم الناس ويهنئوا في معيشتهم. ومفهوم السلطة هنا مبني على توسيع دائرة القبول الاجتماعي لتكون منهم وإليهم وليست غريبة عنهم حتى إذا ما أمروا ائتمروا ليس بذلة وخنوع، ولكن عن إدراك ومعرفة وقناعة تامة بالمشترك وتحقيقا للمصلحة العامة. وهكذا تكون السلطة عنصرا داعما مساندا تضبط وتهيئ الظروف وتنسق النشاط الجماعي وتبني القدرات وتمكن الناس من إطلاق طاقاتهم الإبداعية بأمن وأمان. وعندما يكون هناك من يريد إفساد الإجماع أو التخريب والتعدي وسلب حقوق الآخرين أو الانقلاب على الثوابت والقيم التي انعقد عليها الاجتماع حينها تتدخل السلطة العامة لمنع ذلك بالقوة للقضاء على الفتنة تطبيقا لمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. مشروعية ممارسة سلطة الإجبار مرجعيتها القيم التي ارتضاها الناس وبما يتفق مع اجتماعهم ويضمن أمنهم وأمانهم؛ ولذا كلما كانت السلطة تستمد شرعيتها من الناس وقيمهم كان ذلك أدعى لقبولها والدفاع عنها. والحقيقة أن الطاعة شريك السلطة فمقدار الطاعة يحدده مقدار السلطة، والمقصود بالطاعة، القبول عن قناعة وحرية تامة، وهذا يستلزم بالضرورة أن تكون العلاقة بين السلطة العامة والناس علاقة ناضجة ندية مبنية على الاحترام المتبادل وفي إطار القانون أو التشريع الذي ارتضاه الناس. وعندما تقوم السلطة العامة بمهمة الحفاظ على الأنفس والأعراض والأموال والدين بالعدل والمساواة تكون ممارسة سلطة الإجبار شرعية بل يلزم الانصياع لها عقلا وشرعا.
المصيبة عندما تتحول ممارسة السلطة العامة إلى تسلط وإجبار الناس على الخنوع والذل والمهانة وسلبهم حقوقهم واغتصاب كرامتهم. وهو أمر لا يقع إلا إذا فقدت السلطة شرعيتها أو لم تكن أصلا شرعية جاءت لتحكم الناس من ظهر الدبابة دون رضاهم ودون بيعة شرعية. والنظام السوري يمثل قمة الخروج على الشرعية فما معنى أن يكون هناك توريث للسلطة في نظام جمهوري يقوم بالانتخابات وبحكم الشعب. هذه انتكاسة ودليل واضح وفاضح على الرياء السياسي وادعاؤهم الزائف بالتقدمية والحرية وهم لا يملكون منها إلا النعيق الإعلامي، ضاربين بعرض الحائط قيم وحقوق الإنسان. حتى دستورهم الميت لم يسلم من الشطب والتعديل دون استفتاء شعبي من أجل أن يورث ابن الرئيس ويكون الدستور مناسبا له وليس العكس! فأين مجلسهم النيابي الذي يسمونه مجلس الشعب وهو أبعد ما يكون عن الشعب. مجلس يكتظ بأعضاء لا حول لهم ولا قوة يصفقون ببلاهة لرئيس لم يختاروه! ولقد أثبتت الأزمة السورية بما لا يدع مجالا للشك أن السلطة تمارس لمصلحة الحزب والنافذين وبدوافع طائفية وأجندة إيرانية وبأسلوب إجرامي دموي يقتل مواطنيه ويدمر ويقصف وطنه بهمجية ويمارس الإرهاب بكل أصنافه؛ لأنه دخيل يلفظه الشعب السوري الأبي بكل طوائفه وفئاته. الوقائع المخزية والنهج الإجرامي لهذا الحزب الذي يدعي زورا وبهتانا أنه يبعث الحياة في الأمة وهو ينحرها كل يوم. ما يحدث في سورية ليس حالة طارئة وإنما هو فكر ونهج إجرامي يغتصب قيم الأمة ويهينها ويعاديها ويوجه فوهات مدافعه نحو صدور مواطنيه العارية في الوقت الذي يجبن عن إطلاق ولو رصاصة واحدة من أجل تحرير الجولان التي ضيعها خذلانا وخيانة. هذه هي السلطة الشريرة التي قادت إلى الهزيمة والانهزام والفقر والحرمان، وإذا كان الغراب دليل قوم يدلهم على أرض الخراب.
ويظهر في هذا الجو المعتم ضياء الحكمة ويعلو صوت الحق مدويا ليكسر الصمت على الباطل، إنه إمام المسلمين الملك عبد الله بن عبد العزيز، الجانب الخير للسلطة ليعلن للعالم أن ما يحدث في سورية من جرائم ضد الإنسانية لا يمكن السكوت عنه، وإنه يقود إلى فوضى عارمة. قوة وجرأة خطاب الملك عبد الله وأهميته تنبع من أنه ينطلق من قيم الخير والنوايا الصادقة المخلصة وبيت الحكمة السعودية ونظامها السياسي الذي يحكم بالشرع وبه يعدل لتمارس السلطة العامة من أجل رخاء المواطن والحفاظ على حقوقه وتحقيق أمنه وآماله وطموحاته، في المقابل فقد النظام السوري شرعيته حينما جعل السلطة العامة من أجل الشر. هكذا يتبين الفرق بين وجهين للسلطة في الوطن العربي.. خيرة وشريرة، ومن المهم أن نعي الفرق.