زيادة الطلب ترفع الرسوم المدرسية في التعليم الخاص
ما إن صدرت قرارات رفع الحدود الدنيا لرواتب المعلمين والمعلمات السعوديين العاملين في المدارس الخاصة إلا واستبشرت معظم المدارس الخاصة بهذا القرار خيرا، وأرسلت لكل أولياء الأمور إشعارات برفع الرسوم الدراسية، وحتى قبل أن تقوم بأي حسابات لمعرفة تكاليف هذه القرارات على ميزانياتها. وبهذا عكست منشآت التعليم الخاص وبشكل آني قرارات تحسين الأوضاع المعيشية لعشرات الآلاف من المعلمين والمعلمات العاملين في المدارس الخاصة إلى كوابيس معيشية لمئات الآلاف من الأسر التي ترسل أبناءها لهذه المدارس. ولم يقتصر الأمر على هذا، بل عمد العديد من المدارس الخاصة إلى إجراءات تعسفية ضد المعلمات والمعلمين السعوديين يصل العديد منها إلى الفصل وممارسات الضغوط القانونية وغير القانونية لترك العمل أو توقيع تعهدات بعدم المطالبة برفع الرواتب أو بدفع غرامات مالية في حالة ترك الوظائف. وتعد هذه التصرفات مثلا صارخا على الفشل الذي تعانيه الأسواق المحلية والذي يتطلب ضرورة تدخل الجهات المنظمة للحد من التصرفات غير المنضبطة.
ومع كل ما حدث فإن تصرفات وزارة التربية والتعليم للدفاع عن مصالح المعلمين والمعلمات وأولياء الأمور لا ترقى إلى مستوى المسؤولية المتوقعة، وإنما تتصف بالتنصل من المسؤولية وبكثير من الحيرة والتردد وعدم القدرة على التصدي للممارسات المجحفة التي تقوم بها مؤسسات التعليم الخاص في حق المدرسين والمدرسات وأولياء أمور الطلبة. ولكن هل يبرر رفع رواتب المعلمين والمعلمات رفع رسوم الدراسة في المدارس الخاصة بهذا الشكل؟ وللحصول على إجابة شافية وغير متحيزة لهذا السؤال ينبغي معرفة نسبة السعودة ونسبة المعلمين والمعلمات إلى الطلبة والطالبات في المدارس الخاصة لتحديد التكلفة الإضافية وراء قرارات وضع حد أدنى لرواتب المعلمين والمعلمات.
وتصل نسب السعودة في التعليم الخاص بالنسبة للمدرسين والمدرسات إلى نحو النصف، وذلك حسب أحدث البيانات المتوافرة من وزارة التربية والتعليم، أي أنه يوجد مدرس وعلى الأغلب مدرسة سعودية لكل 25 طالبا أو طالبة في المدارس الخاصة. ولو افترضنا أن الزيادة الأخيرة سترفع تكاليف المعلم أو المعلمة الشهرية بنحو ألف ريال. وتدفع المدارس الخاصة في العادة رواتب عشرة أشهر فقط للمعلم والمعلمة، وهو ما يعني أن تكاليف توظيف المعلم والمعلمة السعودية ارتفعت حسب القرارات الأخيرة بنحو عشرة آلاف ريال في السنة. ونتيجة لذلك سترتفع تكلفة المعلم والمعلمة السعوديين للطالب/ الطالبة الواحد في المدارس الخاصة في المتوسط بنحو 400 ريال فقط في السنة.
وستختلف تكاليف الزيادة لتخصص كثير من المدارس الخاصة في تعليم جنس معين ذكورا أو إناثا، واختلاف نسب السعودة بين مدارس البنين والبنات، وهذا سيؤدي إلى اختلاف في تكلفة زيادة رواتب المعلمين على أساس الجنس. ووصلت نسبة السعوديات بين إجمالي أعداد المعلمات العاملات في التعليم الخاص إلى نحو 82 في المائة في عام 2009، بينما انخفضت نسبة المعلمين في مدراس الأولاد لتصل إلى نحو 22 في المائة بين إجمالي عدد المعلمين في المدارس الخاصة. وبناءً على ما سبق فإن عدد الطالبات للمعلمة السعودية الواحدة في المدارس الخاصة يبلغ نحو 15.1 طالبة. وزيادة تكلفة المعلمة الواحدة بألف ريال في الشهر أو عشرة آلاف ريال في السنة تعني رفع تكاليف تدريس الطالبة الواحدة بنحو 662 ريالا في العام. أما بالنسبة للمدرسين فيوجد مدرس سعودي لكل 56 طالبا في المدارس الخاصة، وهذا يعني أن زيادة تكاليف المعلم بألف ريال شهريا تتسبب في ارتفاع تكاليف الطالب بنحو 179 ريالا في العام. وتختلف المدارس في نسب المدرسين والمدرسات السعوديات كما تختلف في مستويات الرواتب، وإن كانت تتصف بشكل إجمالي بالانخفاض سواء في المدارس ذائعة الصيت أو المدارس منخفضة الجودة. ويترتب على هذا الاختلاف اختلاف ما بين المدارس في التكاليف الإضافية لرفع رواتب المعلمين والمعلمات، ولكن متوسط تكلفة زيادة الرواتب لكل طالبة ستكون في حدود 662 ريالا، بينما ستكون 179 ريالا للطالب، وذلك لكل ألف ريال زيادة في رواتب المعلمين والمعلمات الشهرية. ولا أعتقد أن الزيادة في تكاليف المعلمات والمعلمين السعوديين ستتجاوز ألف ريال في الشهر. ولهذا يمكن القول بدرجة عالية من الثقة إن ارتفاع تكلفة تدريس الذكور لا تكاد تذكر، بينما ستشهد تكاليف تدريس الطالبات بعض الارتفاع بعد القرارات الأخيرة برفع الحد الأدنى للمعلمين والمعلمات السعوديات. وبهذا يتضح أن قيم الارتفاعات الأخيرة في رسوم المدارس الخاصة مُبالغ فيها ولا تبررها رفع رواتب المدرسين والمدرسات في القطاع الأهلي.
وقد عمدت معظم المدارس الخاصة إلى رفع الرسوم الدراسية للطالب أو الطالبة بأكثر من ألفي ريال في المتوسط؛ وذلك بحجة ارتفاع تكاليف رواتب المعلمين والمعلمات، وهذه الزيادة تفوق ارتفاع تكاليف المعلمات السعوديات للطالبة الواحدة بما لا يقل عن ثلاثة أضعاف وتكاليف المعلمين السعوديين بما لا يقل عن عشرة أضعاف ارتفاع تكاليف المدرسين السعوديين للطالب الواحد. وتختلف المدارس طبعا بنسب السعودة، كما تختلف بمستويات الرواتب، فالمدارس ذات السمعة والتصنيف المرتفع تميل إلى دفع رواتب أعلى، ولهذا فإن تأثير القرار كان أقل على تكاليف التدريس في هذه المدارس ومع هذا عمدت بعض المدارس المشهورة إلى رفع الرسوم بخمسة آلاف ريال أي بأكثر من عشرة أضعاف أو حتى 20 ضعفا تأثير القرار. فلماذا عمدت هذه المدارس إلى رفع الرسوم. والسبب واضح ويتركز في اعتقاد هذه المدارس بوجود ارتفاع كبير في الطلب على خدماتها، وميل هذه المدارس لرفع رسومها كلما شعرت بأي ارتفاع في الطلب.
إن رفع رسوم المدارس الخاصة بعد قرارات رفع الحد الأدنى لرواتب المعلمين والمعلمات العاملين في المدارس الخاصة كان الشماعة التي استخدمتها المدارس التجارية الخاصة لرفع رسومها. والحل لمواجهة الارتفاعات في تكاليف التعليم الخاص الحالية والمستقبلية المتوقعة ليس في وضع حدود عليا لرسوم المدارس الخاصة أو التجارية، ولكنه يتركز في رفع مستوى إدارة وكفاءة المدارس الحكومية ورفع مستوى البيئة والخدمات التعليمية التي تقدمها هذه المدارس. كما ينبغي تشجيع ودعم التعليم غير الهادف للربح، ووضع التشريعات اللازمة التي تشجع إنشاء مدراس غير هادفة للربح، وقصر كل سبل الدعم المادي من قروض ومنح وأراضٍ للمدارس غير الهادفة للربح والتي كانت تخصص لها الأوقاف ويزخر بها المشرق الإسلامي في الأيام الخوالي.