رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


القطاع الخاص يتبع القطاع الحكومي وليس العكس

هناك توجه عالمي يرى تقليص دور الحكومة في الاقتصاد وإتاحة مجال أكبر للقطاع الخاص، إيمانا بأن آلية السوق كفيلة بتحقيق الكفاءة والفاعلية وإنتاج ما يطلبه المستهلكون. هذا التوجه ليس بجديد ويعود لأكثر من قرنين من الزمان منذ أن ألف آدم سميث كتابه "ثروات الأمم". في ذلك الكتاب يتحدث عما سماه "اليد الخفية" تشبيها لآلية السوق التي تعمل على الموازنة بين العرض والطلب دون زيادة أو نقصان، وليكون ذلك مرضيا لطرفي التعامل في السوق (البائع والمشتري). المشكلة في اقتصاد السوق افتراضه أن جميع المتعاملين متكافئون في الفرص متساوون في المقدرة، وهذا ليس صحيحا في جميع الأحوال، كما أن الدافع الأساس للأفراد في السوق هو تحقيق المصلحة الذاتية سواء كان ذلك ربحا يجنيه المستثمر أو منفعة يتحصل عليها المستهلك. وعلى أن هذا المبدأ يبدو منطقيا، إلا أنه يخفق عندما يفترض أن هذه المنافع الفردية في مجموعها تؤدي إلى المنفعة الجماعية، ومن ثم يقال إن المصلحة العامة تتحقق من خلال تحقق المصالح الخاصة للأفراد. والحقيقة أن المصلحة العامة لا تتحقق إلا من خلال رؤية مشتركة يتخلى فيها الأفراد عن جزء من مصالحهم الذاتية من أجلها. هذا الحديث عن المصلحة العامة والمصلحة الذاتية مهم في ظل التسابق المحموم نحو الاهتمام بالقطاع الخاص على حساب القطاع العام وما ينتج عنه من سوء توزيع الدخل بين الأكثر والأقل حظا في المجتمع. وربما ساعد ذلك على فهم الأزمات التي تشهدها دول مختلفة جراء هذا التوجه نحو تقليص دور الحكومة كأزمة الديون الأمريكية التي بلغت 140 تريليون دولار، والصراع القائم بين قطبي السياسة الأمريكية الديمقراطيين والجمهوريين في معالجة الأزمة. فمن جهة يرى الديمقراطيون أن الإنفاق الحكومي في مجال الرعاية الصحية والاجتماعية أمر ضروري ومهم ولا يمكن التخلي عنه، وبالتالي يكون الحل عبر زيادة ضريبة الدخل على الموسرين، أي رجال الأعمال المستثمرين. بينما يرى الجمهوريون، خاصة أولئك المحافظون، أن خفض الدين العام يستلزم خفض الإنفاق الحكومي من أجل خفض ضريبة الدخل لتحفيز الاستثمار ونمو الاقتصاد وزيادة الإنتاج، وهذا من شأنه تكبير الوعاء الضريبي. وهذا النقاش نقاش أزلي بيزنطي بين الفريقين تثيره المصالح السياسية بين فينة وأخرى. فالجمهوريون متعنتون في قضية رفع سقف الدين العام من أجل إسقاط الرئيس أوباما وتقليل فرصة نجاحه في الانتخابات الرئاسية القادمة. ودوافع الديمقراطيين أيضا تتجه نحو إظهار الجمهوريين على أنهم يضعون حجر عثرة في سبيل إيجاد حل مناسب للأزمة.
وفي التوجه ذاته نجد دولا نامية عديدة تسيّر الإنفاق الحكومي نحو خدمة قطاع الأعمال دون اشتراط أن يكون الإنتاج داخل منظومة استراتيجية تضمن تحقيق المصالح العامة. وإذا كان آدم سميث قد أشار إلى أهمية اليد الخفية (آلية السوق) فإن اليد الظاهرة (القطاع الحكومي) أكثر أهمية، إذ إن دور الحكومة يتضمن وضع الإجراءات الإدارية والمالية والسياسات الاقتصادية الكفيلة بضبط السوق، التي تتذبذب من حين إلى آخر وضمان سوق تنافسية تمنع ممارسة الاحتكار والحفاظ على البيئة والأمن العام وتوفير الخدمات العامة والبنى التحتية التي لا يقوم الاقتصاد إلا بها. لذا نجد أن القطاع العام يصنع الفرق بين اقتصادات الدول، فكيفما يكون يتحدد مستوى النمو والتنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية. والحقيقة أن كثيرا من هذه الخدمات والسلع العامة لا يستطيع القطاع الخاص تقديمها لأنها لا تقبل التجزئة ولا يمكن استثناء أحد من الاستفادة منها. كما أن لها تأثيراً يطول جميع أو معظم أفراد المجتمع سواء كان ذلك تأثيراً إيجابياً أو سلبياً. وهنا يجب التفريق بين صنع القرار العام وتنفيذه، إذ لا يلزم أن تقوم الحكومة بإنتاج السلع والخدمات، لكن يبقى من المهم أن تحدد هذه الخدمات عبر عملية صنع السياسات العامة. لذا لا يعني الاستفادة من كفاءة القطاع الخاص التخلي عن القرار الحكومي بأي حال من الأحوال. كما أن تنفيذ الخدمات العامة عبر التعاقد مع مؤسسات القطاع الخاص لا يضمن تحقيق الكفاءة إلا إذا كانت الإجراءات المالية والممارسات الإدارية على مستوى من الجودة والمهنية العالية. وهذا يؤكد أهمية تطوير الأجهزة الحكومية والارتقاء بإدارتها. لكننا نجد - مع الأسف - أنه ما زالت هناك ثغرة كبيرة بين المعرفة الإدارية في مجال الإدارة العامة وتطبيقاتها في مكان العمل. وفي ظل غياب المعايير المهنية أصبحت مزاولة العمل الحكومي لا تتطلب إلماماً بالمفاهيم والمهارات وتلاشت أهمية تخصص الإدارة العامة في الجامعات السعودية لتقفل بعض الأقسام بدلا من أن تتحول إلى كليات للدراسات الحكومية. ومن المفارقات العجيبة أن تخصص الإدارة العامة توسع في الأهمية في دول مثل الولايات المتحدة وبريطانيا معقل الرأسمالية واقتصاد السوق. بل هذا ما يفسر احتدام الصراع بين السياسيين في تلك الدول لتظل نقطة الاختلاف قائمة في تحديد حجم دور الحكومة في الاقتصاد والسعي نحو تطوير القطاع العام معرفة وممارسة.
إن المطالبة بمنح القطاع الخاص دوراً أكبر في الاقتصاد مطالبة مشروعة إذا ما كانت ستحقق المصلحة العامة، إلا أنه - مع الأسف - أصبحت هذه الدعوة تعني التفلت من الإجراءات الحكومية والاستغلال البشع للمال العام وتحقيق الثراء الفاحش بتجاوز أو لَيّ هذه الإجراءات. والحق أن بعض الإجراءات الحكومية معقدة لا تتناسب مع وقع المتغيرات في بيئة الأعمال وتحتاج إلى مراجعة، فدرجة التعقيد الكبيرة والضبابية والقصور التي يتصف بها النظام المالي والإداري هي التي تشجع على عدم الانضباط وانقطاع العلاقة بين المدخلات والمخرجات دون تقييم للنتائج والتأثير النهائي ما يفقد الكثير من المشاريع العامة معايير الجودة وصعوبة التعرف على الإخفاقات ومن ثم غياب المحاسبة والمساءلة.
التقليل من أهمية الإدارة العامة التي تمثل السلطة التنفيذية نتيجة حتمية للنظام الذي يعتمد على البيروقراطية والمركزية الشديدة. إن الإدارة العامة في نظامنا الإداري دون هوية، فليس هناك جهات تعمل لتكون بمنزلة مُوجِّه، وهي في الوقت ذاته معايير لقياس أداء أجهزة الإدارة العامة. والحقيقة أن الإدارة العامة تعيش حالة من التِيه، فالكل يعمل ولكن لا أحد يعلم ماذا يراد تحقيقه، وما الغايات والمقاصد؟ لقد حان الوقت لأن ندرك أن نجاح خطط التنمية يعتمد على تطوير الإدارة العامة وبيئتها لتحقق الكفاءة، ليس بمفهومها الاقتصادي وحسب، لكن بمفهومها السياسي، بحيث يتم إنتاج الخدمات والسلع العامة الكمية والنوعية والجودة التي يطلبها المواطنون وتحقق الأهداف الاستراتيجية للوطن، وقد يتفق الكثيرون مع هذا الطرح، إلا أن هناك من النافذين من رجال الأعمال من يرى مصلحته في إبقاء الأمور كما هي دون مراعاة للمصلحة العامة ومستقبل الوطن. إن الإدارة العامة هي مفتاح التنمية وكيفما تكون تكون التنمية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي