«أبيدو».. قلبُ إفريقيا رمضانيات«2»
أعيد حكاية لها أثر عاطفي كبير عليّ، ومازال هذا الأثرُ يكبر.
.. ليس كل البشر يصمون السودَ بالدونية، إنما بعضٌ من البغيضين الذين أرادوا أن يستغلوا السودَ ويشيعوا تجارةَ الرِقِّ التي كانت تدرّ ذهباً، فاخترعوا الحيَلَ ليستعبدوهم. والحقيقةُ العليا أن الإسلامَ لم يفرّق بين إنسانٍ وآخر في الجنس أو اللون إلا بالتقوى، وهذا العدلُ في أقصاه. وإنصافاً، فإنك لن تجدَ مذهباً إنسانياً فكريا أو عقائدياً شريفاً يدعو لازدراءِ السود. وفي أجواءِ العدلِ والحرية يثبت السودُ أنهم متفوقون وجميلون.
والجمالُ الأسودُ له مذاقٌ خاصٌ، وطعم خاصٌ، وألـَقٌ خاص. ورأيتُ أن أهلَ إفريقيا الوسطى من ألمع الناس وأذكاهم، ولمّا وقعوا في شراك الرِقّ والدونية؛ فهذا ليس قطعاً لكونهم في درجةٍ إنسانية أقل، كما قال به روّادُ الاستعمار مثل المبشر والأنثربيولوجي والجغرافي "نيفيون فرانسيس"، وغيره في بواكيرِ الكشوفات والاستعمار الأوروبي، ولكن لسببٍ استبدادي لُويت من أجله أسباب علمية، سيأتي يوم نناقشها هنا سوياً، بإذن الله، متى اكتملَتْ المراجعُ والدراسة.
وإفريقيا وأهلها يأخذون القلبَ، وقد ذهبت لمالي، وإريتريا، والسنِغال، وإثيوبيا، وجيبوتي، وكينيا، وتنزانيا، وموريشيوس، ويبقى في كلّ مرة جزءٌ من قلبي هناك. وكان يقول لنا المغامر الجليل والداعية والمطوّر العربي التقي الكويتي "عبد الرحمن السميط" حين زاملته لتنزانيا وزنجبار: "مَن يعرف إفريقيا يقع في هواها".. أي يقع بحبِّ أهلِها ويقع بحب طبيعتها.. ولم يخرب النفوسَ بين الشعوب الإفريقيةِ إلا لكونهم بعيدين عن الخُبْثِ في مؤامراتٍ الخُبْثِ التي حيكت ضدهم.
وفي إفريقيا صارت لي قصةٌ من قصص العمر.. من قصص الرقي والمحبة والوفاء الإنساني في أمجد معانيها. كنتُ في كينيا من زمن، في فندقٍ كبير بنيروبي العاصمة، ووصلتُ ليلا. وفي الفجرِ وصلـَتْ الفندقَ رسالةٌ بالفاكس لي، وكلّمني صوتٌ أجشٌّ بين ميوعةِ الصّبا ومشارفِ الرجولة، يستأذني في إحضار الرسالة. فتحتُ البابَ بعد قرْع خفيفٍ، ووجدت صبياً في الرابعة عشرة من عمره، ببشرةٍ أبنوسيةٍ صافيةٍ ونقيةٍ، وعينين واسعتين تدور بهما حدقتان كبيرتان غارقتان في السوادِ، وابتسم ابتسامة نوَّرها طقمٌ نضيدٌ من أسنان بيضاء منمَّقة الترتيب، ويعتمرُ طربوشا أحمر، وبدلة بيضاء محلاة بالخطوط الذهبية (الزي الفندقي)، فكان مشهداً وسيماً تتجلى به لطافة الأناقة، ورونق الإهاب.
سألته عن اسمه فقال: "أبيدو حسن". وتوطدت بيننا علاقة حلوة، ويوما شرح لي أنه ترك المدرسة ليعمل في الفندق، ولما أظهرتُ على وجهي علائم التحسُّر، ضحك من قلبِهِ، وقال: "لا، فأنا موضعُ حسَدٍ وإكبارٍ عند جماعتي، لأني أعمل في هذا الفندق، واليوم سيذهب أهلي ليخطبوا لي فتاة رئيس القرية".. وعزمَني لحضور المناسبة في قريته، فقبـِلتُ بلا تردد.
في مقهى أمام الفندق، جاءني "أبيدو" مساءً حسبَ الموعدِ المضروب بثوبه الكتـّان الأبيض وطاقيةٍ عُمانيةٍ مزخرفة بالخيوط الفضية .. وأخذني للقريةِ على دراجةٍ ناريةٍ حول مشارفِ غابةٍ تبعد كيلو مترات عن المدينة، وزيارتي هذه قصةٌ أخرى سيأتي يومٌ أرويها لكم، خصوصاً ما دار بيني وبين الحاج "محمد صولو" مثقف القرية ومعلـّمها حول العبوديةِ والرِقِّ وعن تجانسهم مع العُمانيين وحماستهم في الدفاع ضد الإنجليز، ومازالت كلماتُه، بإنجليزيةٍ فصيحةٍ ولكْنـَةٍ إفريقيةٍ ثقيلةٍ، ترنّ في ذاكرتي..
*بعد ثماني سنوات من الزمن:
وصلتني رسالةٌ على البريد الإلكتروني بعنوان "الجمالُ الأسود".. من "أبيدو" يقول فيها إنه تزوج "فاطمة رضاية الله"، وهو اسمُها الأول فقط.. ومرفق صور زواجهما وهي بالحجابِ الأبيض وجلباب الزفاف الواسع، وهو يطل بقامتِه المديدة بثوبٍ أبيض وطاقيةٍ عُمانيةٍ بيضاء، وتلمع تلك الابتسامةُ التي كأنها قلبُ إفريقيا..
فأرسلتُ له: أين سيكونُ شهر العسل؟
أرسل لي: "لا مكان أجمل من مكة والمدينة.. هل ستُظهر لنا تأشيرتـَي عمرة؟
* بعد عشر سنوات:
رسالةٌ من فاطمة رضاية الله: "لعلك تعلم أن "أبيدو" أكمل دراسته بالمراسلة، واستحصل على البكالوريوس بتفوقٍ في الأدبِ الإنجليزي الحديث، وحيث إنك صديقنا، وكنت من المشجعين له على الدراسةِ، فإنا سنقيم له حفلاً بالقرية، وأعدَدنا له مفاجأة.. فهل تستطيع أن تأتي إلى نيروبي؟ لأن المفاجأةَ: أنت!
وهنا حبست دمعاً عصياً.. وقتها شعرت أنه لم يكرمني أحد كما أكرمني أبيدو حسن، وفاطمة رضاية الله.