بين صمتنا وإرهاب دولته.. يموت الشعب السوري الحليم
رفع أبناء سورية شعارا مؤلما جدا ليس ضد النظام السوري، بل ضدنا نحن، قالوا - والحق ما قالوا - ''إن صمتكم يقتلنا''، نعم إن صمتنا يقتل السوريين كما قتل آباءهم في حماه قبل ربع قرن، فمن المفروغ منه أن النظام السوري قتل أكثر من 20 ألفا في حماه وشرد من شرد.. نعرفهم بسيماهم. ولم يطالب الشعب السوري بأمر عظيم، بل حرية سياسية تضمن تعددية تتناسب مع تركيبة الشعب السورية وقيادة تتحرك وفق مصالح الشعب والأمة العربية، مصالح الأمة العظيمة التي أُخرجت بأمر الله لتقود شعوب الأرض والناس نحو الخير والصلاح والتسامح، لكنها يجب أن تخرج أولا من مستنقع الأزمات المفتعلة. لقد قدم الشعب السوري الدماء الحرة نحو بناء دولة ذات نظام جمهوري تسمح بالتعددية والحزبية، ومنح ثقته لحكومته الحالية طوال أربعة عقود خلت لم تنته به إلى حل أو تقدم، بل انتهت اليوم إلى قمعه.
إن من حق هذا الشعب الحليم الذي اختار العمل الجمهوري منهجا ومنح حكومته الحالية تلك الفرصة الطويلة، أن يعود ويقرر مصيره وفق أسسه الجمهورية التي بناها بدماء أبنائه.
نعم إن صمتنا يقتلهم، وبصمتنا نمارس ضغطا هائلا على هذا الشعب الصبور الحليم، ونمارس تدليلا غير أخلاقي لهذا النظام القمعي الذي يصر على أن يكرر تجربة حماه بكل المآسي التي حملتها للأمة وما خلفته من تأثيرات وتيارات سياسية خطيرة.
إن صمتنا وقمع النظام السوري لهذا الشعب الحليم بطبيعته لن يشل أو يعطل حركة التغيير التي سنها الله في الأمم، تلك الحركة التي تمارس فعلها اليوم في الأمة العربية، بل فقط سيلحق العار بهذا الجيل من الأمة، العار على سكوته، كما لحق بجيلها الماضي، وهو يرى ويسمع بمذابح حماه. وكما قال أحد الكتاب الذين رووا قصة مذابح حماه ''إن أمة سكتت على تلك الجريمة ولم تتحرك لمنعها وحماية الشعب الضعيف لن تسلم من عقاب الله''. والحق أن الأمة لم تر بعد مذابح حماه خيرا، بل ورطنا هذا النظام في لبنان وانتهت مغامراته هناك وعلى مدى ربع قرن بخلط الأوراق ودعم المذهبية التي سماها مقاومة، وأضعف يد الدولة ليبقى لبنان مشتتا بين شماله وجنوبه، ومن جبل نار إلى سهل مفخخ. ثم تفككت الأمة أكثر بعد دخول النظام العراقي السابق في الكويت واحتلالها وثم احتلاله على يد القوات الأمريكية، وما نعانيه اليوم كأمة عربية من تمزق وتشتت حتى لا نكاد (وقد بلغنا 22 دولة وأكثر من 300 مليون إنسان) نجد من يقف معنا صفا أمام الطموح الإيراني والتدخل السافر في قضايا الأمة. اليوم نجني ما زرعه الآباء قبل أربعة عقود، فها هي الأمة من خليجها إلى محيطها تحت إرصاهات الأزمات السياسية بعد أن فقدت العديد من الحكومات مصداقيتها أمام شعوبها، لكن رغم كل جرائم النظام السوري في حماه وما جره على الأمة من مصائب فإننا نقول كما قال - جل وجلا ''تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون''، تلك مرحلة وانتهت وللذين تورطوا فيها ما لحقهم من الإثم والخطيئة. لكن إثمنا وخطيئتنا أن تتكرر الجريمة ونحن نرى ونسمع، بل يجب أن نبرأ إلى الله مما يقوم به هذا النظام ونقف سد منيعا أمامه أو تعاود سنة الله فعلها وندخل بصمتنا في دوامة جديدة من التخلف وسينتقم الله لهذا الدماء الزكية التي تهدر في أرض المحشر عاجلا أو آجلا.
إن صمتنا يقتلهم بلا شك، وهم أهل الحلم والأناة، اشتهروا بها منذ زمن الخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، لكن كما تقول العرب ''اتق شر الحليم إذا غضب''، فما نخشاه أن الصمت المستمر على وحشية هذا النظام سيخلق تنظيمات أكثر وحشية وستنجرف سورية الحليمة نحو مستنقع الخلايا غير النظامية وتجر الشعب السوري كله نحو حرب أهلية وخلايا يسمونها إرهابية وتسمي نفسها القاعدة أو التحرير أو الأمل، ونسميها مشنقة أو متمردة. وبدلا من مواجهة التوسعات الإيرانية والوحشية الإسرائيلية، ونقرر مصير الجولان، علينا أن نواجه فلسفة القضاء على الإرهاب الذي نخلقه بإرهاب يخلق لنا تشتت وضياع الجهود، وبعد أن فشلنا في لبنان حتى تشتت، والسودان حتى تقسم، وليبيا واليمن في أتون الحرب الأهلية، فإن صمتنا في سورية لن يخلف لنا سوى شتات أو تقسيم أو حرب أهلية، تلك سنة الله في الذين خلو من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا.
لقد أمهلت الشعوب التي اختارت الديمقراطية طريقا والجمهورية منهجا، أمهلت أنظمتها الحالية عقودا لحل مشكلاتها الاقتصادية والاجتماعية والالتفاف مع الشعب، لكنها اختارت بدلا من ذلك أن تبقى تنظر لحاله من أعلى البرج، بينما هو يغرق في مشكلات تتسع رقعتها يوما بعد يوم وهي تهرب من قضاياها الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية إلى خلق الأزمات مع ذوي القربى والجار الصاحب والجار بالجنب. ثم لما قررت تلك الشعوب خياراتها الجمهورية وأخذت بزمام المبادرة وقالت كلمتها، ظهرت روح الأباطرة اليونانية والرومانية والفرعونية، واختفت مبادئ الجمهورية والديمقراطية، وقيم الحرية. وكما قال جل وعلا ''وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا'' .. إنهم مترفو الأمم الذين يزيدهم صمت العقلاء وحلم الحكماء تدميرا لشعوبهم وخيرات أمتهم.