بعد مرور أكثر من عام على وقف عمليات الحفر: الاستكشاف في المياه العميقة في خليج المكسيك إلى أين؟
قبل أكثر من عام أشرنا إلى أن حادثة البئر Macondo ستكون لها آثار في مستقبل عمليات الحفر والتنقيب في المياه العميقة في الولايات المتحدة وفي أماكن أخرى من العالم، حيث دخلت عمليات الاستكشاف والإنتاج في المياه العميقة بعد الحادثة مرحلة جديدة، واحتلت الجوانب السياسية والتنظيمية والقانونية مركز الصدارة في النقاش الدائر في الدوائر المختصة ووسائل الإعلام وبرزت التساؤلات التالية: كيف ستتأثر صناعة النفط والغاز العالمية في أعقاب وقوع كوارث مثل تسرب النفط أخيرا في خليج المكسيك؟ وإلى متى ستنتظر الشركات قبل أن تستأنف عمليات الاستكشاف والتنقيب في خليج المكسيك بصورة خاصة والمياه العميقة بصورة عامة، وماذا سيكون الثمن؟
لقد مضى الآن أكثر من عام منذ قامت الجهات المعنية في الولايات المتحدة بفرض وقف على عمليات الحفر في خليج المكسيك في أعقاب انفجار البئر ماكوندو في نيسان (أبريل) 2010. على الرغم من أن هذا الإجراء قد رفع رسميا في 12 تشرين الأول (أكتوبر) 2010، لكن لم تصدر أي تصاريح للحفر في المياه العميقة حتى آذار (مارس) من هذا العام، أي بعد خمسة أشهر من رفع الوقف عن عمليات الحفر. أولى التصاريح التي صدرت كانت لآبار كانت قد منحت تصاريح حفر في السابق، بل إن بعضها كان يتم الحفر فيها بالفعل في الوقت نفسه مع البئر Macondo، لكن كان لا بد من إصدار تصاريح جديدة لها بما يتماشى مع اللوائح والتعليمات الجديدة التي وضعت من قبل مكتب إدارة وتنظيم وتطبيق الطاقة في المحيط Bureau of Ocean Energy Management, Regulation and Enforcement. في حين صدر تصريح واحد فقط لعمليات استكشاف جديدة.
إضافة إلى وقف عمليات الحفر والتنقيب والتباطؤ في إصدار التصاريح والرخص، لم يتم إجراء جولتي بيع وتأجير لمواقع جديدة كانت مجدولة، هذه الفجوة الكبيرة في نشاط عمليات الاستكشاف سيكون لها انعكاسات مهمة على مستقبل الإمدادات من خليج المكسيك.
لقد أسفرت عمليات الاستكشاف في المياه العميقة منذ عام 1998 عن اكتشافات جديدة في المياه العميقة في خليج المكسيك تقدر في المتوسط بأكثر من مليار برميل من النفط سنويا، وكانت بعض السنوات أفضل من غيرها. وقد ارتفع معدل حجم الحقل المكتشف منذ عام 2004، ويرجع جزء كبير من هذا التحول إلى كون الاكتشافات الجديدة كانت في العصر الثلاثي السفلي Lower Tertiary، مثل اكتشاف حقل التيبر Tiber من قبل شركة برتش بيتروليوم في عام 2009، الذي أسهم في رفع متوسط حجم الاستكشافات لذلك العام.
تاريخيا كان نظام منح تراخيص الاستكشاف في المياه العميقة في خليج المكسيك فعالا في إيجاد وتطوير مصادر جديدة للنفط والغاز، مقارنة بغيرها من مناطق المياه العميقة، إن المساحات الصغيرة للمواقع الممنوحة أسهمت في زيادة كثافة عمليات التنقيب: حيث إن معدل عدد الآبار الجديدة المحفورة في خليج المكسيك هو 2.9 بئر لكل ألف كيلومتر مربع، مقارنة بـ 2.1 في حوض كامبوس البرازيلي، الذي يعد هو الآخر من مواقع الاستكشاف الكثيفة نسبيا في المياه العميقة. إن جولات منح التراخيص في المياه العميقة في خليج المكسيك التي تجرى مرتين في السنة، أسهمت في زيادة التنافس بين الشركات وزيادة المساحة الإجمالية التي يجري استكشافها. حيث تم منح التراخيص إلى ما يزيد قليلا على 30 في المائة من مساحة المياه العميقة في خليج المكسيك، مقارنة بـ 20 في المائة فقط في حوض سانتوس في البرازيل أو 13 في المائة في حوض الكونجو فان أنجولا.
لقد أدى هذا المزيج من المساحات الصغيرة الممنوحة للاستكشاف، نظام منح التراخيص بصورة منتظمة، والعدد الكبير من الشركات العاملة في المنطقة إلى تطوير عدد كبير من الحقول المكتشفة، حيث تم تطوير أكثر من 50 في المائة من اكتشافات المياه العميقة في خليج المكسيك، وأسهمت عمليات التطوير الأخيرة في المياه العميقة لخليج المكسيك التي بدأت بالإنتاج في عام 2009 في أول زيادة في إنتاج الولايات المتحدة من النفط منذ عام 1991، حيث ساهمت هذه الحقول في إضافة ما يقرب من 400 آلف برميل في اليوم خلال سنتها الأولى من الإنتاج في عام 2010. لكن هل ستستمر المياه العميقة في خليج المكسيك نموذجا في كفاءة منح التراخيص والتطوير في المستقبل؟
على الرغم من أن فرض الوقف على عمليات الحفر قد رفع رسميا في 12 تشرين الأول (أكتوبر) 2010، لكن لم تصدر أي تصاريح للحفر في المياه العميقة لنحو خمسة أشهر، كما أن وتيرة منح التراخيص منذ ذلك الحين كانت أبطأ بكثير مما كانت عليه قبل الوقف. لقد مرت أكثر من 12 شهرا من دون أي اكتشافات جديدة. لقد أعيد إصداره تصريح جديد لبئر تابعة لشركة Nobel Energy الذي كان قد علق بسبب فرض الوقف، أعلن هذا البئر اكتشافا جديدا من قبل الشركة بعد سنة واحدة من فرض عمليات الوقف. الشيء نفسه حدث لشركة أكسون موبيل، حيث اضطرت إلى إيقاف عمليات التقييم لأحد حقولها بسبب فرض الوقف. بعد إعادة التشغيل والحصول على تصريح جديد، أعلن هذا الحقل اكتشافا جديدا في حزيران (يونيو) 2011.
إن عدم وجود استكشافات جديدة كبيرة خلال الـ 12الأشهر الماضية لا يعني بالضرورة خسارة واحد بليون برميل من النفط، لكن كل ما في الأمر تأخر اكتشاف هذا النفط لمدة سنة واحدة. كما لا يمكن دائما ضمان النجاح عند حفر بئر استكشافية جديدة، لكن النجاحات السابقة والكميات المكتشفة تعطي مؤشرا على كميات النفط المفقودة أو المتأخرة، والاكتشافات المتأخرة تعني تأخر الإنتاج.
الاكتشافات التي كان من الممكن أن تتم خلال الـ 12 الأشهر الأخيرة ستسهم في إنتاج السنوات المقبلة. على سبيل المثال، الحقول التي بدأت الإنتاج في عام 2009، تم اكتشافها ما بين عامي 1998 و2004. بصورة عامة الاكتشافات الجديدة في المياه العميقة في خليج المكسيك تحتاج إلى ما بين خمس وعشر سنوات حتى تبدأ في الإنتاج، اعتمادا على حجم وتعقيد الحقل، وتوافر البنية التحتية؛ لذلك فإن عدم وجود اكتشافات جديدة خلال السنة الماضية من المتوقع أن يؤثر في الإنتاج في الجزء الأخير من هذا العقد.
نتيجة لوقف عمليات الحفر، وانخفاض مستويات منح التراخيص الجديدة، من المتوقع أن يكون متوسط الإنتاج من المياه العميقة في خليج المكسيك على مدى الثلاث السنوات المقبلة أقل بنحو 250 ألف برميل في اليوم مما كان متوقعا قبل انفجار البئر ماكوندو.
في غياب وقف عمليات الحفر، كانت اكتشافات شركة نوبل للطاقة وشركة أكسون موبيل قد تمت في عام 2010، والكميات المكتشفة قد أسهمت في جعل حجم الاستكشافات الجديدة في عام 2010 مساويا للسنوات السابقة، أي نحو 1.4 مليار برميل.
من الصعب جدا معرفة على وجه اليقين كميات النفط التي كان من الممكن اكتشافها فيما إذا جرت عمليات الحفر الاستكشافية خلال السنة الماضية في المياه العميقة في خليج المكسيك بصورة طبيعية ولم تتوقف، ولكن الشيء الوحيد المؤكد هو أن الاكتشافات لم تجر منذ أكثر من سنة واحدة، هذا يمثل إخفاقا في الاكتشافات، حيث إن متوسط حجم الاستكشافات السنوية في المياه العميقة في خليج المكسيك على مدى السنوات العشر الماضية كان أكثر من مليار برميل. كما أن تأثير تأخير أو إلغاء جولات التراخيص على حجم الاستكشافات النفطية لن يكون معروفا لسنوات عديدة مقبلة.