المعادلة الصعبة: نظام نطاقات والمؤسسات الصغيرة

يصعب أن تتخيل اقتصاداً ينمو وديناميكياً ويشجع على المبادرات الفردية، والتي هي شرارة وعصب النمو الصحي دون المؤسسات الصغيرة، وهذه بدورها ستكون صعبة في ظل مطالب السعودة أو التوطين، كما يحلو لوزير العمل المجتهد أن يصفها. ذكر رئيس لجنة المقاولين في الغرفة التجارية في الرياض فهد الحمادي، أن قطاع المقاولات الصغيرة والمتوسطة سيتضرّر بسبب عدم تجزئة القطاع (قد يكون تفصيلا فنيا ينتهي بتفادي استحقاقات النطاقات)، وكما في قطاع المقاولات فهناك قطاع التجزئة الذي يشارك قطاع المقاولات الصغيرة في التستر. الصعوبة التحليلية تنبع في الحاجة إلى التمييز بين الحاجة الملحة لتنمية المؤسسات الصغيرة، وبين حقيقة أن الغالبية عبارة عن تستر، حيث يعمل المواطن على جباية ضريبة نيابة عن الحكومة أحيانا وأحيانا أخرى لا يتعدى دوره أكثر من وكيل للشؤون الحكومية والرسمية. لم أرَ في نظام نطاقات ما يعترف بمركزية المؤسسات الصغيرة من ناحية والتوطين من ناحية أخرى.
نظراً لتعقيد الموضوع يبدو لي أن هناك عدة أسباب لهذه الإشكالية، منها ما هو فني مثل محدودية قدرتنا على معرفة مَن هو المتستر ومَن هو المبادر (بمعنى الاستعانة بعمالة وافدة)، وأيضا قدرتنا على معرفة النشاط ودوره في العملية الاقتصادية، فمثلا سائقو الشاحنات لهم دور رئيس وكم من عائلة استطاعت الهرب من براثن الفقر على ظهر هذه المهنة الشريفة، لكننا استطعنا إخراجهم تدريجيا من السوق، فهي ذات طابع فردي مربح. الاستحقاق الواضح أن قطاع المقاولات الصغيرة والتجزئة يمتاز بالتستر ولو أخذ طابعاً مؤسساتياً مثل الصيدليات، لا أعرف بلاداً بكثرة الصيدليات مثل المملكة. حل إشكالية الصيدليات يأتي من خلال تغير نموذج أعمال القطاع، وهذا يتم من خلال نظام (الفرنشايز)، حيث يقوم الصيدلي السعودي فقط بالحصول على الفرنشايز من وكيل الأدوية والتخلص من الموزع الذي في الوسط، فبهذا سيكون هناك تقليل في التكلفة المجتمعية وتعميق مهنة الصيدلة في المملكة.
لذلك هناك عوائق مصدرها تبني نماذج عمل غير صالحة للمرحلة الاقتصادية، ولعل سائقي الشاحنات وقطاع الصيدلة أمثلة حية على الفجوة بين ما يربو له نظام نطاقات وبين حيثيات التوطين الفاعل.
الإشكالية الأكبر في نظري أننا نريد حلولا دون أي تكلفة. فلا أحد يريد أن يواجه موزعي الأدوية بأن دورهم لم يعد يخدم اقتصاد المملكة، ولا أحد يريد مواجهة حقيقة التستر، فالكثير من المواطنين يحصلون على "أتاوات" دون عمل خاصة في قطاع التجزئة والمقاولات الصغيرة، ولا أحد يريد مواجهة شركات النقليات. الكثير منا أصبح شريكاً في ضرر المجتمع من خلال سعيه للمصالح الشخصية.
إذا أصبح النموذج الاقتصادي في تعارض بين المصلحة الشخصية وبين المصلحة المجتمعية وهذه تتطلب وضوحاً في الفكر وقوة في الإرادة وشفافية في التنفيذ. لم يرتقِ نظام نطاقات إلى هذه الوثبة الفكرية والعملية وهذا هو تحفظنا الأساسي على نظام التوطين ممثلا بنظام نطاقات. الأحرى أن نأخذ بالنماذج التي تخدمنا شمولياً حيث لا يكون التوطين عبئاً على الاقتصاد، بل وسيلة لإعادة الحال إلى الوضع الطبيعي.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي