رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الثورة المصرية التي فقدت هويتها!

تندلع الثورات ومعها هوياتها إلاّ الثورة المصرية التي اندلعت في 25 كانون الثاني (يناير) 2011 فقد اندلعت دون هوية، فتارة يسمونها بأنها ثورة شباب، وطوراً يقولون إنها ثورة شعبية بدليل أنها استقطبت كل شرائح وفئات الشعب المصري، وهي لذلك تبحث عن كل ما يعالج مشاكل الشعب من بطالة وعدالة وحرية وتنمية وحياة كريمة، أي أن الشعب المصري كله يطالب الحكومة (المؤقتة) أن تعالج كل مشاكله التي توارثها وظل يعاني منها منذ حكم محمد علي وحتى اليوم.
ونظراً لأن مشاكل الشعب المصري أكثر من أن تُحصى ولا تستطيع أي حكومة ولا حتى حكومة أفلاطون الفاضلة أن تحقق للشعب المصري علاجاً سحرياً لمشاكله المتوغلة في كل حقب التاريخ.
ولذلك استمر الشعب المصري ممارسة حقه في الاعتصام والاحتجاج والخروج إلى الشارع مادامت الحكومة لم تلب كل مطالب الـ 85 مليون نسمة.
طبعاً هذه الحكومة وغيرها من الحكومات المقبلة عاجزة عن تحقيق كل المطالب اللانهائية بين يوم وليلة، وهي من ناحيتها تطالب الشعب بالخروج إلى العمل والإنتاج، لأن الخروج إلى العمل والإنتاج هو السبيل الوحيد لتلبية المطالب الشعبية، ولكن الشعب يصر على أن رجوعه إلى العمل مرهون بحل مشاكله الفردية والجماعية على السواء، وهو أمر يبدو مستحيلاً في المدى المنظور مما حمل المجلس العسكري إلى إصدار قانون ُيجرّم الاعتصامات والاحتجاجات.
ولكن فئات كثيرة من الشعب اعتبرت هذا القانون هو نسف للمطالب المشروعة التي طرحتها ثورة 25 كانون الثاني (يناير) كمطالب تعبر عن تطلعات كل فئات الشعب المصري.
ولذلك بدأ الشعب المصري يتمرد على المجلس العسكري، ويعلن عن رفضه لبعض قراراته، بل ذهبت فئات من الشعب إلى ممارسة حق الاعتصام والاحتجاج ضاربين بالقانون الذي أصدره المجلس العسكري عرض الحائط، ومن ناحيته اعتبر المجلس العسكري هذا الموقف المعارض للقانون الذي أصدره بمنع الاعتصام تحدياً غير مقبول للدور السياسي المهم الذي يقوم به الجيش في هذه المرحلة الخطيرة من تاريخ الحياة السياسية لجمهورية مصر العربية.
وهكذا ضاعت هوية الثورة التي لم يعرف حتى الآن هوية لها، لأن الخاص اختلط بالعام، وأصبح الكثير من أفراد الشعب المصري يطالب الحكومة بحل مشاكله ومشاكل أولاده وجيرانه وأقاربه في الخاص والعام.
الأخطر من ذلك أن وائل غنيم مفجر ثورة الشباب سبق أن ظهر في أحد البرامج التلفزيونية بقناة دريم وانفجر باكياً وهو يصرخ ويقول: إنني لم أتمن لمصر إلاّ كل الخير، وما يحدث هو الدمار بعينه، وأنا كنت أطالب بالإصلاح لا أكثر، ولم أدع إلى تدمير مصر، ثم توقف عن الكلام ليمسح دموع التماسيح، ثم عاد إلى الكلام، ولكن دمعة كبيرة انهمرت من عينيه وقرر على أثرها الانسحاب من البرنامج وهو يجهش بالبكاء، ثم جاءت بعده المذيعة منى الشاذلي ودخلت في "مود" البكاء والعياط على مصر التي بدأت بعض الأحداث الأمنية تفقدها جمالها ورونقها.
وهكذا دخلت مصر ودخل مستقبل مصر في دراما البكاء والنواح بعد أن أحس الشاب وائل غنيم الذي فجر ثورة الشباب بأنه أجرم في حق مصر، لأنه أحس بأن مصر توشك أن تسقط من أيدي المصريين.
والقضية أكبر بكثير من نواح وبكاء في برنامج تلفزيوني يتعاطى القضايا الكبيرة بسذاجة مفرطة، القضية ليست في توازن الطفل وائل غنيم مع نفسه، القضية قضية توازن وطن كبير راح ضحية مؤامرة عبثية مع طفل من أطفال الأنابيب، وعلى المصريين المخلصين لوطنهم الأثير ومعهم أشقاؤهم العرب أن يعيدوا مصر الغالية إلى موقعها العربي المكين حتى لا يضيع العرب بعد ضياع مصر ـــ لا سمح الله ــــ.
إنه ليس من الوعي السليم أن نتجاهل كلية كل ما ينشر على مواقع الإنترنت عن الصهيوني برنار هندي ليفي ونصنفه ضمن نظرية المؤامرة أو الفبركة، فما ينشر عن دور برنار ليفي ومنظمته الصهيونية في تفجير الانتفاضات وتحريك المظاهرات في الشارع العربي جدير بأن يكون مكان تحقيق ودراسة من قبلنا حتى نصل إلى الحقيقة كاملة، وإذا وصلنا إلى الحقيقة على الحكومات العربية أن تستجيب لمطالب شعوبها بدلاً من أن تتيح الفرص لمثل هؤلاء الأوغاد كي يعبثوا بالبلاد ويخربوا الأوطان، الأهم من هذا يجب أن يفطن الشباب أن الصهيونية العالمية لن تتركهم حتى تقيم على أرضهم العربية دولة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات، بمعنى على الحكام العرب أن يفطنوا إلى هذا الحلم الصهيوني البغيض الذي بدأ يتحقق على أرض الواقع، وإذا نجح الحكام العرب في إعاقة المشروع الصهيوني فإن ذلك يشفع لهم الاستمرار والبقاء في الحكم.
إن الشارع العربي يرى أن ما يحدث في مصر خطير للغاية، وأن قضية وائل غنيم المطروحة في وسائل الإعلام والتي تقول إن وائل غنيم ضحية منظمة صهيونية ضحكت على الشاب المصري وعلمته كيف يحرك ثورة شعبية من خلال مواقع التواصل الاجتماعي.. هي قضية تقترب من الصحة، وأن الشاب المصري جرى تضليله، ولذلك على الحكومة المصرية أن تحقق بدقة شديدة، وبالذات بعد القبض على جواسيس الموساد وفي مقدمتهم الجاسوس إيلان جراييل الذي ظهر في المساجد وفي الأزهر وفي ميدان التحرير بطريقة فيها كثير من الإهانة للحكومة المصرية!
والمؤسف، تلوح الآن بوادر خلافات في الشارع المصري بين الشعب والجيش.. هذه الخلافات نرجو ألا تخرج عن دائرة الحوار الأخوي، لأن التطور في اتجاه الصدام بين الشعب والجيش ـــ لا سمح الله ــــ سيقصم ظهر مصر، وستدخل مصر والعالم العربي كله في نفق لا يحمد عقباه!
إن حرص الجيش المصري على أن تظل العلاقة مع الشعب قائمة على أساس الحوار الوطني يعد توجهاً محموداً، ونرجو أن يظل الجيش على حرصه على منطق الحوار، كما نرجو من الشعب المصري الأبي أن يجدد ولاءه للجيش حتى تتم عمليات إقرار الدستور الجديد وانتقال السلطات إلى مؤسسات الدولة بشكل هادئ ورتيب.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي