تطوير الإدارة المحلية .. السبيل لمواجهة التحديات

تعني الإدارة المحلية في جوهرها صناعة القرار المحلي عبر هيئات محلية مسؤولة عن رعاية مصالح المواطنين في المحليات تتمتع بسلطات تشريعية إدارية ومالية. وتتضح أهميتها في اختصاصها وقدرتها على التصدي للقضايا المحلية وقربها من المواطنين. ولذا كان من الضروري التمييز بين القضايا الوطنية التي تهم جميع أرجاء الوطن وهي متعلقة بالأجهزة المركزية، وتلك التي لا يتعدى تأثيرها الحيز الجغرافي للمحافظة أو المنطقة وتكون من مهمة الإدارة المحلية. فعلى سبيل المثال تطوير منتزه داخل المدينة أو تقديم الرعاية الصحية أو تحديد الاحتياجات التعليمية أو رصف الطرق وإنارتها وغيرها من أنشطة التنمية الاقتصادية المحلية جميعها تكون لصالح الأهالي داخل المدينة أو المحافظة وعادة ما تكون الاستفادة منها محصورة في نطاقها المكاني المحلي. ولذا يكون من غير المنطقي أن تتولى الأجهزة المركزية مسؤولية توفير هذه الخدمات العامة ومعالجة القضايا المحلية، التي هي خارج اهتماماتها موضوعيا وبعيدة عنها جغرافيا. ومن الناحية العملية لن تستطيع الأجهزة المركزية مع صدق النوايا ومهما أوتيت من موارد مالية وبشرية أن تستوعب تلك الاحتياجات والمصالح المحلية المتعددة والمتنوعة والمعقدة. إذ إن الاحتياجات المحلية تتفاوت بين مدينة ومدينة ومنطقة وأخرى، فلكل مدينة تكوينها الجغرافي والثقافي والاقتصادي والسكاني ولا يمكن التعامل مع هذا التمايز بين المجتمعات المحلية بنموذج ثابت ومحدد يطبق عليها مركزيا دون الأخذ بعين الاعتبار لتلك الظروف والخصوصية المحلية، فما يصلح لمنطقة قد لا يناسب بالضرورة منطقة أخرى. كما أن القضايا المحلية متشابكة وعلى درجة كبيرة من التعقيد وبالتالي تتطلب حلولا محلية، فأهل المدن أدرى وأعلم بما يحقق مصالحهم ويطور مجتمعاتهم، وهم في حقيقة الأمر المستفيد الأول والأخير من الخدمات العامة. وجانب آخر ومهم يجب ألا يغفل عنه في تطوير الإدارة المحلية وهو أن المجتمعات المحلية أصبحت أكثر نضجا سياسيا وإداريا وثقافيا ومؤهلة أكثر من ذي قبل في تولي مسؤولية صناعة القرارات التي تهمها، كما أن تزايد الأعباء على الأجهزة المركزية والمتغيرات الاقتصادية والسياسية والتي من أهمها العولمة وتقنية الاتصالات جميعها تدفع نحو إيجاد نموذج جديد للإدارة المحلية يمنحها قدرا كبيرا من الصلاحيات الإدارية والمحلية من أجل القيام بأدوار تنموية فاعلة ومؤثرة تلبي الاحتياجات الحاضرة والمستقبلية. لم يعد بالإمكان اختزال إدارة المجتمعات المحلية في النواحي الأمنية التقليدية فقط، وإنما بات من الضروري توسيع المفهوم ليشمل الجوانب الاقتصادية والاجتماعية وأن تتحمل المجتمعات المحلية مسؤولية إدارة شؤونها بدلا من الاعتماد الكلي على الأجهزة المركزية في توفير الخدمات والتي ربما لم تتوافق مع متطلبات المجتمعات المحلية كما ونوعا وجودة.
الوضع الإداري المحلي يشوبه الغموض ولا ينسجم مع التطور الذي تشهده السعودية كدولة لها ثقلها السياسي والاقتصادي تسعى نحو تعزيز موقعها في المنافسة الدولية. وإذا كانت الإدارة المحلية هي جذور التنمية الوطنية فإن الانطلاقة إلى العالم الأول - على حد تعبير الأمير خالد الفيصل - تبدأ بتطوير الإدارة المحلية تطويرا جذريا أصيلا يحقق التغيير الإيجابي المطلوب ويطلق الطاقات ويحرك الموارد المحلية لتكون أكثر تميزا وإبداعا وكفاءة وفاعلية. ولا شك أن التنظيمات الحالية لمجالس المناطق والمحلية والبلدية تتطلب المزيد من التطوير فبعضها مضى عليه أكثر من أربعة عقود في مقابل التغيرات الكبيرة التي يشهدها العالم بوتيرة متسارعة والتي تستدعي نظما أكثر حيوية واستجابة وتستطيع التكيف مع المعطيات الجديدة. ولذا يمكن وصف الإدارة المحلية السعودية بأنها مركزية القرار محلية التنفيذ متعددة المراجع ومتداخلة في الأدوار والمسؤوليات. فالهيئات المحلية (مجالس المناطق والمحلية والبلديات) تكوينات مؤسسية ولكنها دون وظائف وصلاحيات كافية تمنحها الإرادة التشريعية وصناعة القرارات، وهي تقف عاجزة عن أداء أدوار مؤثرة في تشكيل البيئة الاقتصادية والتهيئة الاجتماعية وبناء القدرات المحلية والتميز المكاني وتعزيز العلاقة بين السكان ومدنهم وبالتالي تحفيزهم للمساهمة في جهود التنمية. وعلى الرغم من أن هناك إيمانا بأهمية الإدارة المحلية على جميع المستويات يعبر عنها تصريحات أمراء المناطق والمسؤولين المحليين وتشير إليها الأبحاث الميدانية وتجارب الدول الأخرى، إلا أنها ما زالت تراوح مكانها ولم تصل بعد لتكون ضمن أجندة تطوير العمل الحكومي ولا يلوح في الأفق أي مبادرة في هذا الاتجاه. والواقع يشير إلى أنه مع مرور الوقت سيتزايد سقف توقعات المواطنين دون أن يكون بمقدور مجالس المناطق والمحلية والبلدية الاستجابة لها بكفاءة وفاعلية. وعندما تكون المسؤوليات أكبر من الصلاحيات يجد المسؤولون المحليون أنفسهم في وضع لا يحسدون عليه ويعيشون حالة من الإحباط ويتحولون من أداء أدوار قيادية إلى الانشغال بالأعمال الروتينية والإجراءات الورقية. هذه الصورة الشكلية الوهمية للإدارة المحلية تعطي انطباعا خادعا يكون فيها الإطار أكبر من الصورة ما يؤدي إلى التراخي وعدم أخذ موضوع الإدارة المحلية كأولوية وطنية تتعلق بتعزيز استقراره السياسي والاقتصادي ومواجهة التحديات المحيطة به. هناك من يعتقد أن اللامركزية تلغي المركزية وهو اعتقاد خاطئ، بل إن اللامركزية آلية للضبط والتحكم وتزيد من فاعلية السلطة المركزية إذ إنها تضيق نطاق الإشراف وتحدد المسؤوليات في هيئات معينة وداخل إطار تنظيمي ما يسهل مهمة التقييم والمتابعة. هناك حاجة ماسة إلى صياغة نظام شامل للإدارة المحلية بمرجعية إدارية واحدة وليس كما هو واقع الحال مجزأ بين عدة قطاعات، كما أنه من الضروري أن تستند إجراءات العمل الحكومي المحلي على قيم الشفافية والمحاسبة وحرية التعبير والفصل والموازنة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية عبر هيئات تمثل كل سلطة محددة الأدوار والمسؤوليات تتمتع بصلاحيات إدارية ومالية. الحديث عن الإدارة المحلية جانب أساسي في التطوير الإداري والسياسي وعامل مهم في التصدي للتحديات والمستجدات على الساحتين الداخلية والخارجية. تطوير الإدارة المحلية تطويرا جذريا لا يحتمل التأخير فهي ضمان تعزيز الوحدة والانتماء الوطني ورفع مستوى الأداء الحكومي وتجسيد اللحمة والعلاقة الوشيجة بين القيادة والشعب.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي