رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


«نطاقات» .. أسئلة بلا إجابات

في أية محاولة لتنظيم سوق العمل وفقا لمفاهيم الرأسمالية، دائما يواجه المنظمون مشكلتين رئيستين لا مفر من التعامل معهما، مشكلة العدالة في توزيع الدخل ومشكلة المنافسة. عدم العدالة في توزيع الدخل تنشأ من ظلم رجال الأعمال واعتقادهم أن لهم الحق المطلق في الدخل الناتج من المشروع الذي يملكونه نظاما، يوزعونه بالطريقة التي تروق لهم؛ لذا يرون الإنسان العامل لديهم كالآلة والحجر له من الأجر ما يبقيه حيا فقط، ثم ينسون أنهم بشر كعمالهم فيأخذون كل الفوائض كحق مطلق. العامل الذي صنع من وقته وجهده الفوائض بالكاد يأخذ منها ما يسد رمقه بينما يتمتع بها الرأسمالي بشكل مفرط. مع ردود الفعل الهائلة للعمال على هذه الخطأ الرأسمالي الفادح ومع التجارب المرة للشعوب تعلم العالم الحاجة الماسة إلى تعديل ميزان التوزيع وأجبر رجال الأعمال على حد أدنى من الراتب يضمن مستوى معيشيا محترما ولائقا للعمال مع تمتعهم بالتأمين الطبي والسكني والنقل وغيره. "نطاقات" يأتي كحل لمشكلة السعودة ويفرضها فرضا على رجال الأعمال دونما حل واضح لمشكلة العدالة في التوزيع والرواتب المتدنية للعمال. تقول وزارة العمل إن هناك أكثر من مشروع قادم لتنظيم سوق العمل منها وضع حد أدنى للرواتب، والسؤال الذي بلا إجابة حتى الآن هو: متى تأتي هذه الأنظمة ولماذا التقسيط فيها؟ هذا في المؤسسات الكبيرة أما في المؤسسات الصغيرة والصغيرة جدا فالموضوع مختلف.
هناك عالم لا يرحم من المنافسة الشرسة غير المقننة، تجربة مشروع "مان ديفان" خير برهان، فالموطن السعودي الذي دخل مغامرة بيع الملابس الرجالية - رغم الدعم من الدولة وبنك التسليف - واجه منافسة قوية من العمالة الأجنبية، فكيف يمكن لمواطن سعودي يعيش في منزل مستأجر بما لا يقل عن 25 ألف ريال مع متوسط صرف 2500 ريال شهريا لعائلة من ثلاثة أفراد، إضافة إلى إيجار المحل الذي يصل إلى 30 ألف ريال في المتوسط، ناهيك عن التكاليف الاجتماعية الأخرى وضغط الطموح، كيف له أن ينافس عمالة أجنبية تعمل في محل مستأجر له المساحة نفسها يعمل فيه ثلاثة عمال أجانب ليل نهار، يتنقلون مع خط البلدة أو باستخدام الدراجة، يعيشون جميعهم ومعهم ضعفيهم في سكن شعبي يكلفهم جميعهم ستة آلاف ريال سنويا ومع مصروفات أخرى لا تتجاوز 200 ريال شهريا لكل عامل، بلا أطفال ولا عائلات، ومع ذلك لديهم تأمين طبي في مستشفيات نعرف أن صاحبنا المواطن لن يدخلها ولو بلغ دخله اليومي ألف ريال. والسؤال الذي بلا إجابات، كيف سيحل "نطاقات" وجميع مشاريع وزارة العمل هذه المعضلة؟
"نطاقات" يقوم علميا على فكرة متوسط تطبيق السعودة، فقد ألغى النسبة الثابتة (30 في المائة) وقدم فكرة متوسط تطبيق السعودة في القطاع التي تصل في بعض القطاعات والفئات إلى أكثر من 50 في المائة. لكن مفهوم المتوسط يرتبط إحصائيا بمفهوم الانحراف المعياري، وهذا يعني حتما أن هناك مؤسسات تقع في طرفي المنحنى بعيدا عن المتوسط بانحرافات ثلاثة سلبا وإيجابا. وإذا كنا نهتم بالتطرف السلبي الذي تمثله المؤسسات التي تبتعد بأكثر من ثلاثة انحرافات أقل من المتوسط التي سيطبق عليها اللون الأحمر ومع احتمال أن عددا لا يستهان به من هذه المؤسسات قد تفشل في الانتقال إلى المستوى الأعلى وقد تواجه صعوبات في تسيير أعمالها، وبالتالي تتعرض للفشل والخروج من السوق بينما تتمكن المؤسسات في الوسط من ابتلاع حصص وأعمال تلك المؤسسات التي خرجت من السوق؛ لذا فقد يتسبب كل هذا في تركيز السوق في يد مؤسسات معدودة وتتحول الكثير من الصناعات إلى تنافسية احتكارية، وهنا سترمي وزارة العمل بمهمة معالجة تلك القضية إلى وزارة التجارة في وقت ستكون أي معالجة لهيكل السوق مؤلمة لرجال الأعمال من جانب ولمشروع "نطاقات" ككل من جانب آخر؛ لأن أبسط الحلول هو فتح السوق للشركات الأجنبية. "نطاقات" لا يقدم إجابات عن هذه المشكلة المتوقعة، سوى "إن شاء الله ما تصير".
من المعلوم حجم التحويلات النقدية للخارج، وهذه تمثل ثغرة اقتصادية خطيرة فنحن بلد ريعي يعتمد في رزقه بعد الله على ثروة النفط، بينما جميع المصانع لا تكاد تغني أصحابها، فضلا عن المجتمع لولا أن الدولة تعمل كمشتر صاف وتضخ لهذه المؤسسات جزءا ضخما من الثروة النفطية. العمالة الأجنبية وبدلا من إعادة رسم هذه الثروة على لوحات هذه البلاد فإنها ترسلها للخارج للاعودة. تحويلات من المتوقع أن تصل هذا العام إلى 110 مليارات ريال، كيف نوطن ثروتنا الهاربة كل عام وكيف نحد من تحولات العمالة الأجنبية؟ سؤال لم يجب عنه "نطاقات". وفي تعليقات القراء - مشكورين - على مقال الأسبوع الماضي تأتي أسئلة كثيرة تحتاج إلى إجابات من وزارة العمل، لعل أبرزها، كيف نميز بين العمالة الماهرة وغير الماهرة، بين العمالة التي شكلت على مدى عقود وستشكل شراكة حقيقية نريدها ونبحث عنها وهم شركاء في التنمية، وبين العمالة التي تمثل تهديدا، ويأتي السؤال الأهم عن مدة إقامة العامل الأجنبي وتنظيم ذلك .. ولا إجابات.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي