الجمعيات الخيرية .. التطوير وتلبية احتياجات المجتمع
ننعم بحمد الله في بلادنا باهتمام كبير بالجمعيات الخيرية باختلاف أنشطتها وبرامجها وخدماتها، ومرت هذه المؤسسات بمراحل من النشاط والعمل والتطور، الذي كان له أثر كبير في داخل المملكة وخارجها، وكانت هذه المؤسسات حلقة الوصل التي تساعد صاحب المال وتوفر عليه الوقت والجهد لإيصال تبرعاته إلى مستحقيها من الفقراء والمعوزين والمحتاجين عموما؛ مما كان له أثر كبير في علاج كثير من احتياجات المجتمع.
في هذه الفترة من كل عام، وهي شهر رمضان، تنشط المؤسسات الخيرية نظرا لزيادة رغبة التجار ورجال الأعمال وعامة أبناء المجتمع في الإكثار من القُرب والأعمال الصالحة، ومنها بذل المال، بل يفضل كثير من الناس دفع زكاة ماله في هذه الفترة، والعبادات عموما يتضاعف أجرها في هذا الشهر الفضيل، الذي يعتبر خير شهور السنة، ويكتسي بروحانية تميزه عن بقية الشهور.
المؤسسات أو الجمعيات الخيرية أصبحت اليوم جزءا لا يتجزأ من حياة واحتياجات المجتمع بمختلف شرائحه، يعتمد عليه في كثير من الأمور، وكما سبق، فقد شهدت كثيرا من التطور والتغيير في الفترة الماضية، من جهة تعزيز الموارد واستثمارها بما يحقق حدا أدنى من الدخل، الذي يسهم في دفع عجلة نشاط تلك المؤسسات، كما شهد تنوعا في تلبية الاحتياجات سواء المالية، أو الصحية، أو الرعاية وبرامج التأهيل وغيرها، ويبقى أن هذه المؤسسات لا بد أن تستمر في عملية التطوير سواء في نوع النشاط والبرامج، أو في التواصل مع الأفراد والجهات ذات العلاقة بما يحقق أداء متميزا، وتطورا مستمرا، وشعور المجتمع بأن هذه المؤسسات تقوم بأداء مُرضٍ، ويحقق لها إضافة ملموسة.
والحقيقة أنه كي تتطور هذه المؤسسات بشكل منظم ومستمر، من المهم أن تكون لهذه المؤسسات استراتيجية شاملة وآلية للتقييم والتطوير المستمر، وتبدأ هذه الاستراتيجية من خلال تعريف للمؤسسة، وتحديد نشاطها الرئيس، وأهدافها القريبة والبعيدة، ثم تحديد الجهات ذات العلاقة. فلو أخذنا مشكلة يعانيها المجتمع اليوم، وهي البطالة مثلا، ستجد أن هناك جهات ذات علاقة بهذه القضية مثل وزارة العمل ووزارة الخدمة المدنية ووزارة الشؤون الاجتماعية، والشركات، ورجال الأعمال والمتبرعين من الأفراد والأثرياء، وجهات التعليم والتدريب والتأهيل، ومجموعة الأفراد العاطلين عن العمل، وقد تكون هناك جهات أخرى. التواصل الجيد والإيجابي والفاعل مع هذه الجهات ستجد أنه يحقق أهداف هذه المؤسسات بالشكل الأمثل.
ولو نظرنا إلى مسألة التواصل مع المتبرعين نجد أن كثيرا من المؤسسات تعرض بعض المشاريع المتميزة؛ رغبة في دعم الأثرياء وأهل الخير كمشاريع أوقاف لنشاط معين، لكن هناك أمورا لا تقل أهمية عن عرض هذه المشاريع والاستثمارات، وذلك من خلال التعيين والتعريف بالكفاءات الإدارية المتميزة التي ستقوم بإدارة هذه المشاريع، وأن يكون هناك موظفون لديهم القدرة على إعطاء تصور واضح عن برامج ومشاريع المؤسسات الخيرية، والتكلفة المتوقعة والجهات التي ستقوم بعملية الإنشاء لمشاريعها وكفاءتها، والدخل المتوقع لهذه المشاريع، والأشخاص المستفيدين من هذا التبرع، وأعدادهم التقديرية، ووضعهم المادي والاجتماعي بشكل عام، ودور هذه المؤسسات في علاج مجموعة من المشكلات التي غيرت في حياة بعض الأسر والأفراد بشكل إيجابي.
يضاف إلى ذلك أنه لا بد أن تكون هناك سهولة في الوصول سواء في استقبال التبرعات أو التواصل مع المحتاجين. فمن ذلك على سبيل المثال ما تمارسه بعض المؤسسات الخيرية اليوم من وضع مكاتب صغيرة في أماكن تجمع الناس مثل الأسواق، ومنها وضع حسابات في كل البنوك المحلية، ومنها رقم اتصال يتجاوب مع المستفيدين لفترات مختلفة، ويقدم لهم المعلومات المطلوبة، ومنها وضع موقع إلكتروني وحسابات في مواقع التواصل الاجتماعي، وتنظيم ملتقيات عامة، كل ذلك يجعل الوصول إلى هذه المؤسسات بنشاط وفاعلية أكبر.
من الأمور المهمة لهذه المؤسسات وجود قواعد بيانات للجهات ذات العلاقة سواء المحتاجين أو المتبرعين وغيرهم بحيث يمكن لهذه المؤسسات التواصل بشكل جيد، وتقييم الحالات الموجودة والسعي إلى علاج المشكلة، وليس تسكينها فقط.
من الأمور المهمة أيضا أن تكون هناك آلية للتواصل مع المؤسسات الخيرية أو الجهات المشرفة عليها بغرض تقديم المقترحات، وإبداء الرأي في برامجها، واقتراح أنشطة جديدة ومبتكرة لخدمة المجتمع، والترتيب للاستفادة من المتطوعين من أفراد المجتمع، وتبني بعض الدورات التدريبية لأفراد المجتمع للارتقاء بالمستوى المعرفي والفكري له، حتى إن كانت غير خاصة بالفقراء والمحتاجين، فهناك مثلا في بعض الدول في العالم، خدمات تقدمها مؤسسات بالمجان لطلبة الجامعات مثلا بغرض تطوير مهاراتهم في إدارة الوقت، وبرامج الحاسب الآلي، ومهارات التفكير والتنظيم والبحث.
الخلاصة أن المؤسسات الخيرية اليوم أصبحت لها أهمية في أن تمارس دورا فاعلا في المساهمة في تلبية احتياجات الأفراد، ومعالجة مشكلاتهم، والمجتمع اليوم أصبح أكثر حاجة إلى أن تمارس هذه المؤسسات دورا ملموسا، ومع وجود تطور ملحوظ للمؤسسات الخيرية مقارنة بفترات ماضية، إلا أنه من المهم الاستمرار في حركة التطوير والمساهمة في التنمية المجتمعية، من خلال استراتيجية وأهداف واضحة، والتقويم المستمر لأداء المؤسسات الخيرية بغرض استمرار حركة التطوير والابتكار.