أسعار النفط تدعم الإنفاق العالمي على مشاريع الاستكشاف والتطوير
الاستثمار في عمليات الاستكشاف وتطوير المشاريع النفطية الجديدة أحد أهم العوامل الرئيسة التي تلعب دورا كبيرا في تحديد مستوى إمدادات النفط خلال السنوات الخمس المقبلة. حيث إن قرارات الاستثمار التي تتخذ اليوم ستكون لها تداعيات كبيرة على مستوى الإنتاج العالمي للنفط على المدى المتوسط. من بين العوامل التي تؤثر في قرارات الاستثمار في تطوير المشاريع الجديدة، وبالتالي في مسار النمو في الطاقات الإنتاجية المستقبلية للنفط، التوقعات بشأن مستقبل أسعار النفط، تكاليف تطوير وتشغيل الحقول النفطية، وحجم واقتصاديات المشاريع.
تلعب أسعار النفط أيضا دورا مهما في تحديد مستوى الاستثمارات، على سبيل المثال في أعقاب الأزمة الاقتصادية التي شهدها العالم عام 2008 وانخفاض أسعار النفط الحاد، وعدم توافر رأس المال واستمرار ارتفاع تكلفة تمويل المشاريع الجديدة، وضعت ضغوطا كبيرة على عديد من الشركات العاملة في صناعة الطاقة بصورة عامة والصناعة النفطية بصورة خاصة، ما حدا بها إلى خفض مستوى الإنفاق وتأخير بعض المشاريع, خصوصا تلك غير الإنمائية وغير الأساسية منها ما ساعد على خفض وتيرة النمو في المشاريع النفطية العالمية بصورة كبيرة.
انتعاش أسعار النفط الخام منذ أوائل عام 2009 وإلى الوقت الحاضر، دفع الشركات النفطية إلى زيادة نفقاتها الرأسمالية، في هذا الجانب من المتوقع أن يرتفع الإنفاق العالمي على مشاريع الاستكشاف والتطوير والإنتاج إلى مستويات قياسية متجاوزا 500 مليار دولار في عام 2011، ممهدا الطريق إلى نمو كبير في الإنفاق لسنوات عدة مقبلة.
تشير الإحصائيات والتقارير الأخيرة إلى أن الإنفاق العالمي على مشاريع الاستكشاف والتطوير والإنتاج قد يتجاوز 530 مليار دولار، وهذا رقم قياسي جديد للصناعة النفطية، متجاوزا الإنفاق العالمي لعام 2010 بنسبة 16 في المائة، حيث أنفقت الصناعة النفطية نحو 460 مليار دولار في العام الماضي. هذا الرقم تجاوز التوقعات السابقة التي نشرت في وقت سابق في كانون الأول (ديسمبر) 2010، حيث توقعت أن ينمو الإنفاق على مشاريع الاستكشاف والتطوير والإنتاج بنحو 11 في المائة في عام 2011، أي إلى 490 مليار دولار. الدافع الرئيس وراء تسارع الإنفاق هو الأسعار العالمية للنفط الخام، التي ارتفعت بنحو 30 دولارا للبرميل منذ أوائل كانون الأول (ديسمبر) 2010، حيث حققت الشركات إيرادات أكثر مما كان متوقعا، وهي بصورة عامة أكثر ثقة بالأسواق في الوقت الحاضر، ما حدا بها إلى زيادة الإنفاق.
لكن الإحصائيات والتقارير الأخيرة تشير إلى انخفاض الإنفاق في إفريقيا بشكل ملحوظ في أعقاب تعطل الإمدادات في ليبيا ومخاوف من اتساع انقطاع الإمدادات ليشمل غيرهم من المنتجين في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث تشير هذه التقارير إلى انخفاض مستوى الإنفاق في إفريقيا بنسبة 16 في المائة، إلى نحو 25 مليار دولار. حيث تم خفض توقعات الإنفاق بصورة ملحوظة لكل من مؤسسة النفط الوطنية الليبية والشركة المصرية العامة للبترول، التي كان متوقعا في السابق أن تشهدا نموا في الإنفاق بنسبة 25 و13 في المائة على التوالي، خلال هذا العام. تجدر الإشارة هنا إلى أن إحصائيات الإنفاق في إفريقيا لا تشمل الإنفاق من جانب شركات النفط الأمريكية المتكاملة أو المستقلة في القارة.
كما هو متوقع، الولايات المتحدة حققت مرة أخرى أكبر نمو ونسبة في الإنفاق على مشاريع الاستكشاف والتطوير والإنتاج، حيث من المتوقع أن تنفق الشركات هناك نحو 21 في المائة من 530 مليار دولار. هذا الالتزام يمثل استثمار نحو 111 مليار دولار في عام 2011 أي بزيادة تقدر بنحو 18 في المائة مقارنة بمستويات الإنفاق لعام 2010، وهي تمثل نسبة نمو كبيرة مقارنة بـ 8 في المائة التي كانت متوقعة في كانون الأول (ديسمبر) 2010.
إن استمرار انخفاض أسعار الغاز في أسواق أمريكا الشمالية حمل الشركات العاملة في هذا المجال على تحويل استثماراتها إلى المصادر الغنية بالنفط، إن استمرار تحويل الإنفاق نحو المصادر الغنية بالنفط هو أحد العناصر المهمة في رفع نسبة الإنفاق في الولايات المتحدة على المشاريع النفطية. هذا التحول في الاستراتيجية شمل نقل منصات الحفر من المناطق الغازية إلى المناطق النفطية، وقد كان هذا واضحا من الإحصاءات الأخيرة لأبراج الحفر في الولايات المتحدة. نسبة عدد أبراج النفط العاملة إلى الغاز قد انحرفت بشكل حاد خلال العام الماضي (ما بين حزيران (يونيو) 2009 وحزيران (يونيو) 2010) باتجاه النفط، حيث انخفض عدد أبراج الغاز من نحو 80 في المائة إلى 60 في المائة من إجمالي عدد الحفارات العاملة، في حين ارتفع عدد أبراج النفط العاملة ليصل إلى 40 في المائة من 20 في المائة من إجمالي الحفارات، إذا ما استمر هذا الاتجاه التصاعدي لأبراج النفط فإن عدد أبراج النفط والغاز العاملة في الولايات المتحدة سيتساوى قريبا جدا.
إن ارتفاع تكاليف مشاريع النفط، خصوصا المشاريع الهامشية الأكثر تكلفة marginal cost projects، تعتبر عاملا رئيسا آخر وراء زيادة نسبة الإنفاق في الولايات المتحدة، حيث إن تحول الشركات إلى الاستثمار في المصادر الغنية بالنفط وغير التقليدية مثل الموارد في ولاية تكساس وداكوتا الشمالية، أدى إلى شح في المعدات والأيدي العاملة، خصوصا تلك المتخصصة في عمليات الحفر الأفقي وإكمال الآبار والخدمات الهندسية.
تشير الدراسات إلى أن تحول الولايات المتحدة وكندا نحو المصادر الغنية بالنفط غير التقليدية سيساهم في استمرار النمو في الإنفاق ليتجاوز 10 في المائة خلال العام القادم أيضا، من المتوقع أن يستمر هذا النمو الكبير حتى عام 2015.
لكن مستوى الاستثمارات خارج أمريكا الشمالية من المتوقع أن تكون المحرك الرئيس لنمو الإنفاق العالمي على مشاريع الاستكشاف والتطوير والإنتاج خلال السنوات المقبلة، حيث تشير معظم الدراسات إلى أن النمو في الإنفاق خارج أمريكا الشمالية سيراوح بين 12 و15 في المائة خلال السنوات الخمس المقبلة.
الإنفاق العالمي خارج أمريكا الشمالية من المتوقع أن يرتفع بنسبة تتجاوز 15 في المائة في هذا العام وحده، ليصل إلى أكثر من 380 مليار دولار. هذا الرقم تجاوز التوقعات السابقة التي نشرت في وقت سابق في كانون الأول (ديسمبر) 2010، حيث توقعت أن ينمو الإنفاق العالمي على مشاريع الاستكشاف والتطوير والإنتاج خارج أمريكا الشمالية بنحو 12 في المائة في عام 2011. من المتوقع أن تحتل أمريكا اللاتينية الدرجة الأولى من حيث معدل النمو بنسبة 26 في المائة، في حين من المتوقع أن تجتذب كل من الهند وآسيا وأستراليا معظم الإنفاق خارج الولايات المتحدة بحيث يتجاوز 79 مليار دولار. حيث إن الشركات من هذه البلدان رفعت من مستوى إنفاقها على مشاريع الاستكشاف والتطوير والإنتاج منذ عام 2006، حتى في الفترات التي تباطأ أو انخفض فيها الإنفاق في مكان آخر خلال فترة الركود العالمي، كما ركزت شركات النفط هناك على رفع الإنتاج بصورة كبيرة لتلبية الطلب المحلي المتزايد. من المتوقع أن تستمر منطقة شرق آسيا في لعب دور مهم في نمو الإنفاق العالمي، على الرغم من أنها ما زالت متخلفة عن معدلات النمو في أمريكا اللاتينية ومنطقة الشرق الأوسط.
هذه النسبة من النمو في الإنفاق العالمي على المشاريع النفطية من المتوقع أن تضاعف من استثمارات الصناعة النفطية خلال الفترة من عام 2009 إلى 2015، حيث سيرتفع مستوى الإنفاق العالمي على مشاريع الاستكشاف والتطوير والإنتاج إلى نحو 800 مليار دولار في عام 2015 من نحو 400 مليار في عام 2009.