الوجه الآخر للشرعية: الكفاءة
الإشكالية الأساسية في المنطقة اليوم هي عدم الكفاءة في كل الدوائر المجتمعية. طبقاً لتقارير متعددة بدأت كل الدول العربية تعاني دون استثناء، وإن كانت هناك اختلافات مثل جدية دبي في سياسة السوق، وانضباط الحكومة العُمانية، والثراء الفاحش قياساً على السكان في أبوظبي وقطر، أما البقية فإن محدودية الكفاءة بدأت تأكل في الشرعية، إحدى تبعات هذا التآكل أنه تراكمي بطبعه، ولذلك فإن الإشكالية، ممثلة بالعيوب التي يصعب أن تُخفى، تبدأ تنخر في هيكل الشرعية. تكتمل دائرة عدم الكفاءة حينما تمتد بجهالة إلى جميع المستويات، حيث يصعب على الحكام الوقوف في وجه المطالب غير المنطقية للعامة، نظراً لتقاعس الحكام؛ فيلتقي الإمبراطور العاري مع المواطن المصدوم بمدى عدم أهليته لعالم يطالب به دون استعداد لاستحقاقاته. تراكم العيوب أدى إلى حالة من الاستقطاب. والاستقطاب يجعل من الحلول عمليات غير سهلة المنال.
الاستقطاب يخيف الكل، فتصبح الحلول ضيقة، والمطالب متتالية دون حدود، فالحاكم، ولعل معه الأغلبية، يدعو إلى الاستقرار والتروي، وآخرون يدعون إلى حلول عاجلة دون خريطة طريق ودون رؤية، لأن العقل الجمعي الانفعالي لا يسمح بغير هذا. هذه الحالة المعلقة خطيرة، ولذلك فإن حلها يدعو إلى دور قيادي يتعدّى استحقاقات الكفاءة المعتادة، التي عادة ما تكون جزءاً من منظومة الحكومة الإدارية. الحكومة الفاعلة ماكينة، دونها لن تتحرّك السيارة، ولكن لا أحد يرغب في قيادة السيارة دون تحديد المحطة والاتجاه. تحديد المحطة والاتجاه يحتاج إلى قيادة. ولذلك نحن بصدد فعالية فنية للتعامل مع كفاءة السيارة وتحديد وقياس فعاليتها، وبالمستوى نفسه نحتاج إلى القفزة القيادية في معرفة المحطة النهائية والطريق إليها.
حالة تراكم العيوب والاختلافات والخلافات حول الأدوار جعلتنا نبقى في وضعية لا الماكينة تعمل بكفاءة، ولا الاتجاه والمحطة النهائية واضحة. ولذلك أصبحت كل الأسئلة مفتوحة والتساؤلات مشروعة. لم تعد الحلول القديمة كافية، ولم نعد نثق بالفنيين. ولكن الهدف الأخير معروف: أن يتقدم المجتمع في جميع نواحي الحياة بما يغنيه معنوياً ومادياً.
إشكالية أخرى تظهر من خلال إعادة هيكلة الفريق الفني وهل هذا الفريق قادر على تحقيق الطموحات القيادية للوصول إلى المحطة النهائية. الفريق الفني المُفترض كبير ومعقد وذو طبقات، فالطبقة العليا منه مطالبة بالتأكد من كفاءة الماكينة لطول الطريق وطبيعته. فهناك طريق يناسبه سيارة ناعمة، وهناك طريق ومحطة يناسبه سيارة ذات دفع رباعي وخزان وقود ضخم.
في اعتقادي أن أغلب الرحلات المطلوبة تتطلب سيارة من النوع الثاني، ولذلك فإن الطبقة العليا من الفريق الفني يجب أن تكون على قدر كبير من الكفاءة الفنية ولكنها لا تكفي، إذ يجب أن تكون على تواصل مع الربان وإمداده بالرأي السديد والمعلومات الموثقة، وفي الوقت نفسه احترام وتقدير أصحاب المهن الضروريين؛ للمحافظة على سلامة الماكينة. في ظل هذه المنظومة سيكون للكل مشاعره وطموحاته وانتماؤه، ولكن تكريس الجميع لمهمة واحدة يخفف من حدة هذا التطاول وحدة المطالب غير الهادفة، ويلغي التساؤلات غير الحميدة والتشكي غير المفيد. بما أن السيارة وسيلة مادية بحتة، والمعرفة اللازمة فنية، والهدف الأخير هو في جزء كبير منه مادي، فإن الطريق إلى المحطة ما هو إلا السياسة الاقتصادية.
جرب العالم كل السياسات الاقتصادية ولا نحتاج إلى إثبات أن سياسة السوق خيار استراتيجي أكثر فعالية مع حماية من يسقط بين ثنايا هذه الشبكة الفعالة والمجربة. مع الوقت استطعنا تعطيل وتشويه سياسة السوق، وحان الوقت إلى الرجوع إليها عن طريق سياسة تخصيص جدية والبقية تفاصيل. الخيارات المتاحة من ناحية فكرية تدور بين الرغبة في التكيف وتراكم العيوب أو تحديد مسار جديد لإعادة ربط الكفاءة مع الشرعية.