الربيع العربي .. رفض المستورد

تتفاوت الأنظمة السياسية في استجابتها لاحتياجات الناس وإلى أي مدى تتناسب مع ثقافتهم وتلبي تطلعاتهم وتحقق لهم العدالة والحرية وتضمن حقوقهم وتحفظ أعراضهم وتوفر لهم العيش الكريم. هذا التفاوت يحدده في المقام الأول درجة مواءمة النظام السياسي لثقافة المجتمع، وهو ما يفسر الفشل الذريع لبعض الأنظمة العربية في تمثيل شعوبها، بل الأنكى أن تكون الحكومات ضد مواطنيها تحكمهم بالنار والحديد والقمع وتتوعدهم بالويل والثبور، وليس على أساس من العقد الاجتماعي المبني على قيم وعادات المجتمع. الأنظمة التي جاءت على ظهر الدبابة وهدير المدفعية سحقت القيم والأعراف ولم تراع مبادئ الدين الحنيف الحضارية ولا العادات العربية الأصيلة ولا القيم الإنسانية وحق العيش بحرية وكرامة، وراحت تشرع لقانون الغاب لتغتصب أدنى الحقوق بدموية القوة وليس قوة العدل والحكمة والرحمة. الأنظمة العسكرية انقلبت على ثقافة المجتمعات العربية وتنكرت لجذورها الأصيلة واستوردت أنظمة قمعية باسم الاشتراكية والعدالة الاجتماعية لتفقر الفقير وتزيد المعدمين فقرا ويشيع الفساد والظلم والقهر. لقد قضت على الاقتصاد والاجتماع في تسييس كل شيء فنقلت الفلاحين من مزارعهم والعمال من مصانعهم وحولتهم إلى هتيفة ونقابات عمالية للضبط والسيطرة وترديد الشعارات الفارغة التي لا تغني ولا تسمن من جوع ليتراجع اقتصادها وتتحول إلى دول تستجدي المساعدات من هنا وهناك، وهي بلاد تنعم بثروات طبيعية وخيرات كثيرة. هذه الأنظمة اختزلت الدولة التي يفترض أن تكون نظاما جمهوريا في شخص الرئيس ليكون هو الدولة ونهجه لا أريكم إلا ما أرى! وهكذا بقيت هذه الشعوب المغلوبة على أمرها تعاني الأمرين في أمورها الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية وهي تقاد من شلة من العسكر وجدوا أنفسهم فجأة في سدة الحكم دون فكر وتجربة مثل أغنياء الحرب، بل هم أغنياء حرب حين سلبوا ثروات شعبوهم باسم الوطنية والصمود والتصدي.
هذه الشعوب العربية التي عانت ردحا من الزمان الذل والهوان وضيق العيش لم تستطع تحمل هذه الأنظمة المستوردة لتقوم بإذابتها وتحويلها إلى رماد تماما كما تفعل شمس بلاد العرب الحارقة بالنباتات البلاستيكية الصناعية المستوردة التي ليس لها طعم ولا رائحة ولا جذور في الأرض. هذه الأنظمة التي ادعت التقدمية، رأت في الإسلام العظيم والتقاليد العربية الأصيلة سبة وعارا وسببا في تأخر الأمة عن ركب الحضارة الإنسانية، فرفضتها الشعوب بعدما تبين أنها معول هدم للهوية الإسلامية التي هي عز العرب وسبب تقدمهم وقوتهم في العصور الأولى. من أجل ذلك لم تقو تلك الأنظمة الدخيلة على الحكم إلا بالإكراه حتى حولت مجتمعاتها إلى سجن كبير تجبر الناس فيه إجبارا للتخلي عن قيمهم وتسلخهم من مبادئهم، بل حتى من إنسانيتهم ليكونوا مجرد جمادات مسلوبي الإرادة والقيم لا حول لهم ولا قوة. كيف لهذه المجتمعات أن تنهض وتتقدم وهي محرم عليها التفكير والاعتقاد إلا بفكر ومعتقدات القائد الملهم أو الحزب الحاكم المقدس. لتكون الحرية تحررا من الأخلاق والدين وليس حرية سياسية تدفع بالمجتمع نحو الإبداع والابتكار والإنتاجية. لقد اختزل مفهوم التقدم بمظاهر شكلية مثل ابتذال المرأة وإجبارها على نزع الحجاب وإشاعة المنكرات ومحاربة الدين، أما الإنتاجية الاقتصادية واحترام الحقوق وحرية التعبير فهي خارج اهتماماتهم وليست من أولوياتهم.
وفي الحديث عن الربيع العربي لا يجوز التعميم؛ لأن من الظلم المساواة وإلا كان في غير موضعه، وعندها يكون كلمة حق أريد بها باطل، بل يجب التفريق بين الأنظمة التي جاءت من نبت الأرض وبشرعية الدين والثقافة المحلية وبثورة شعبية على الظلم والجهل والمرض والفقر، وتلك التي اغتصبت الحكم والناس دون مرجعية شرعية وتوافق ورضا. ولأقولها صراحة إن الحكم العشائري الملكي أكثر مناسبة وشرعية من تلك الجمهوريات الصورية التي هي جمهورية بالاسم وملكية بالممارسة. فالحكم الملكي حكم أبوي خيري وإن قسا يراعي الأعراف والتقاليد ويسمع لأهل الحل والعقد وأصحاب الفكر ويمكن مراجعته، ولكن الأنظمة الجمهورية على الطريقة العربية تحكم وتنهب وتقتل وتعذب باسم الشعب المسكين المغلوب على أمره. ولذا يصاب المواطن العربي بالغثيان عندما يستمع لإعلام تلك الأنظمة القمعية وهي تتحدث عن الحرية وحقوق المواطن وهو حديث سمج يستخف العقول حد الإسفاف والبجاحة. إنها أزمة سياسية وفكرية عاشها العالم العربي في ظل المد التقدمي التحرري مقلوبة الموازين، فالحفاظ على الهوية وثوابت الأمة بات ينعت بالرجعية والتخلف، بينما التفسخ من القيم والتنكر للجذور هو التقدم وأساس انبعاث الأمة! هؤلاء الأشرار قادوا الأمة للهاوية بقتل روح المواطنة ونزع الهوية الأصيلة مذبذبين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء لتكون تلك المجتمعات في تيه وضياع فلا هي اتبعت الغرب والشرق في تقدمه المادي ولا هي حافظت على قيم الحضارة الإسلامية والنخوة والشهامة العربية.
القول في أن النظم الملكية قريبة للناس وأنها منهم وإليهم لا يعني أنها خالية من الأخطاء والقصور؛ لأن أي عمل إنساني يعتريه الخطأ والنقص ويحتاج دوما إلى تطوير وتعديل وإعادة تفكير. وربما هذا ما يجعل النظم الملكية أكثر حيوية في احتواء المتغيرات والتكيف مع المستجدات وهو ما يجعلها أكثر استدامة واستقرارا وازدهارا من تلك الجمهوريات الشكلية ذات الحكم العضوض والنزعة التوريثية. ولذا فإن الربيع العربي في الدول الملكية ربيع سياسي معتدل لم يغادرها فلم يسبقه انقلاب شتوي ولم يتبعه انقلاب صيفي فهي ليست طارئة على التاريخ أو تعيش على هامشه. هذا ليس تنظيرا، فالوقع يشير إلى أن الناس يعيشون في كنف الحكم الملكي أكثر حرية وكرامة والعيش الكريم. ما على النظم الملكية إلا تطوير آليات القرار العام بما يتناسب مع المتغيرات والمستجدات وبما يتيح مأسسة القيم السياسية وتقديمها بأسلوب يتناسب مع العصر. فسياسة الباب المفتوح التي هي أحد أهم التقاليد السياسية العريقة في السعودية التي تقرب المواطن من صانع القرار يمكن صياغتها مؤسسيا عبر مجالس نيابية تشريعية تكون بمثابة أداة لصناعة القرار الحكومي واستشفاف الرأي العام. هكذا يحافظ على الربيع العربي ويرفض المستورد.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي