رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


اختيار التخصص للطالب بعد الثانوية .. ودور مؤسسات التعليم

اختيار التخصص بعد الثانوية يمثل مفترق طرق لطالب الثانوية، وهي قضية لا يمكن الاستهانة بها بأي حال من الأحوال لما يرتب عليها من آثار ترتبط بالفرد والمجتمع من جوانب اقتصادية واجتماعية وتعليمية.
ما دعا لكتابة هذا المقال أنه بحكم عملي في الجامعة أن أحد الطلاب بعد أن أمضى ما يقارب السنتين في الجامعة ودرس مجموعة من المواد فيها، قرر فجأة أن ينتقل إلى جامعة أخرى في المملكة في تخصص هو أبعد ما يكون عن التخصص الذي قرر ألا يكمل فيه، ويقول إن هذا قرار اتخذه بعد تأن ودراسة وغير قابل للتغيير، وهذا أمر يتكرر كثيرا لطلبة الجامعة، وقد يكون هذا الطالب أحسن حالا من كثير من الأشخاص الذين اكتشفوا أنهم أخطأوا الطريق بعد أن دخلوا الحياة العملية، وبعضهم غير تخصصه في مراحل الدراسات العليا إلى تخصصات تختلف تماما عن تخصصاتهم في مرحلة البكالوريوس. والسؤال الذي يرد هنا: كيف اكتشف هذا الطالب وغيره اليوم أنه يسير في الطريق غير المناسب؟ وهل كانت هناك إمكانية أن يكون قراره هذا قبل سنتين بحيث يمكنه أن يُمضي نصف المرحلة الجامعية قبل أن يعود خطوة استغرقت منه سنتين إلى أن قرر الرجوع عنها، واختيار الطريق المناسب؟
تغيير التخصص - وإن كان الطالب عموما لن يعدم فائدة خلال هذه الفترة التي يقضيها في تخصص لا يرغب الاستمرار فيه - في كثير من الأحوال يترتب عليها آثار سلبية منها:
- تكلفة اقتصادية عالية، حيث إنه مع أن الاهتمام بالجامعات في المملكة يحظى بدعم كبير، للاستثمار في العنصر البشري، حيث أصبح الطالب الجامعي الواحد يكلف ميزانية الجامعة الكثير، وقد يكلف أحيانا 100 ألف ريال سنويا، وقد تكون أكثر خصوصا في التخصصات العلمية كالطب والهندسة وعلوم الحاسب، وبالإمكان حسابها بشكل سريع من خلال حساب ميزانية الجامعة مقسومة على عدد الطلاب فيها لتتبين التكلفة.
- إن هذا يؤخر الطالب في حياته الاجتماعية بقدر تأخره في سنوات الدراسة فيما يتعلق بالوظيفة والحياة في أسرة مستقلة.
- إن ذلك يؤخر استفادة المجتمع من هذه الكوادر.
- إنه قد يشغل مقعدا يحرم غيره ممن يرغب في دراسة التخصص الذي تحول عنه.
وقد تكون لذلك سلبيات أكثر من جهة خدمة المجتمع بشكل عام، وبناء شخصية الفرد بشكل خاص.
ولذلك فإن هذه القضية تحتاج اليوم إلى دراسة وبرنامج عملي، تشترك فيه مؤسسات التعليم العام والعالي والمهني، بناء على منهج يبدأ من مراحل مبكرة من عمر الطالب في المراحل الدراسية، وذلك بغرض تسهيل الاختيار للطالب في مراحل مبكرة، بحيث يستطيع استيعاب مفهوم عام عن التخصص، ومتطلباته، والمهارات الأساسية التي يحتاج إليها، ومن ثم نوع العمل الذي يؤهل له هذا التخصص.
الكثير من خريجي الثانوية عندما يتخرج لا تجده يتجه مباشرة إلى تخصص معين يميل إليه، ويدرك طبيعة الدراسة التي سيعمل عليها، وبالتالي ستستمر مسألة تغيير التخصص بعد مضي فترة من الدراسة، وستجد أيضا من يغير تخصصه لاحقا بعد البكالوريوس، وستجد أيضا البعض يختار طبيعة عمل مختلفة عما يؤهله ذلك التخصص، لأنه لا يجد الراحة في ذلك العمل، وقد يكون للاختيار غير المناسب أسباب منها توجيهات خاطئة من غير المتخصصين، وأحيانا رغبة الطالب في الاستمرار مع زميل له قد لا يوافقه في ميوله العلمية. وقد يكون أيضا بسبب ضغط من الأسرة والمجتمع المحيط بالطالب للدراسة في تخصص معين. إضافة إلى أن بعض الجامعات تضع الطالب في تخصص لا يرغب فيه، نظرا لعدم توافر مقاعد في التخصص المختار. وسوء فهم عن بعض التخصصات من خلال تجارب لطلاب آخرين قد تكون غير ناجحة، وعدم اهتمام بعض الجامعات بإرشاد الطالب بالشكل المناسب قبل اختياره التخصص.
هناك عناصر رئيسة يمكن أن تساعد الطالب على اختيار التخصص في مراحل مبكرة:
أولا: وضع برنامج في مؤسسات التعليم العالي بغرض الالتقاء بموظفين في الدولة والقطاع الخاص والنقاش والاطلاع على طبيعة وظائفهم، ونوع العمل وطبيعة العوائق وطرق الحلول بشكل عام، والهدف من عملهم بما يعود على المجتمع.
ثانيا: إعداد ملتقيات وتجمع متاح لطلبة الثانوية يلتقون من خلاله بطلبة الجامعة وأساتذتها لمعرفة التخصصات عن قرب، وطبيعة الدراسة ومتطلباتها.
ثالثا: ترتيب زيارات دورية للطلبة لبعض المؤسسات والشركات والجامعات.
رابعا: إعداد معارض في مختلف مناطق المملكة في فترات ما قبل نهاية العام الدراسي تشارك فيه جميع الجامعات في المملكة لعرض تخصصاتها، وإعطاء تصور عن الخدمات التي تقدمها للطالب الجامعي، ووسائل الاتصال. وأن يكون في الجامعات مركز خدمات متخصص وفاعل في مسألة التواصل مع طلاب الثانوية عموما.
خامسا: تفعيل التقنية في هذا المجال من خلال تواصل طلاب الثانوية في مواقع إلكترونية، ومنتديات تشرف عليها وزارة التربية والتعليم بالتعاون مع وزارة التعليم العالي، وبعض الشركات الكبرى بغرض تسهيل التواصل وإبداء المشورة لهؤلاء الطلاب.
سادسا: أن يتم التركيز في السنة الأولى في الجامعة على المواد المشتركة في التخصصات المختلفة كي يسهل في هذه الفترة تقييم مستوى الطالب في الجامعة وقدرته على دراسة التخصص الذي يرغب فيه، وألا يفوته الكثير بسبب تغيير التخصص.
سابعا: أن يتم إعداد اختبارات دورية للطلاب في المدارس في المتوسطة والثانوية، بغرض إعطاء مؤشر للطالب عن إمكاناته، والمجالات الأكثر توافقا مع مهاراته وقدراته.
ثامنا: أن تكون هناك إدارة للتنسيق بين وزارة التربية والتعليم من جهة، ومؤسسات ما بعد التعليم الجامعي من جهة أخرى، بغرض التنسيق للمبادرات التي تسهل عمل الجهات ذات العلاقة.
وبالمناسبة توجد في بعض دول العالم اليوم شركات ترفيهية تجعل من الطفل يمارس حياة الكبار في أعمال ومهن مختلفة، بأسلوب ترفيهي شائق، وهذا قد يكون لمثل هذه الشركات دور في إبراز ميول الطفل في وقت مبكر للأسرة.
الخلاصة أن الانتقال إلى الحياة الجامعية بالنسبة لطالب الثانوية يعتبر مفترق طرق كثيرة يجهل معظمها بين مؤسسات التعليم العالي أو الفني أو الصحي أو العسكري، وعدم توجيهه في مرحلة مبكرة له انعكاسات سلبية على الشخص نفسه والمجتمع، وله انعكاسات اقتصادية، ويقلل من فرص استفادة أكبر من التعليم الجامعي للأفراد. ومن المهم وجود تعاون وتواصل وثيق بين مؤسسات التعليم والعمل لتعظيم الاستفادة من الكوادر الوطنية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي